برهان المفتي 
صادقت الأمم المتحدة يوم 25 أيلول على خطة التنمية طويلة المدى للوصول إلى عالم مستدام سنة 2030. وتضمنت الخطة سبعة عشر هدفاً لتحقيق مائة وتسع وستين غاية تغطي محاور التنمية المستدامة. وبتلك المصادقة الدولية، أصبحت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أمام التزام دولي لوضع خططها الوطنية وستراتيجياتها لتحقيق التنمية المحلية في مجتمعاتها.
وتشمل أهداف الخطة الأممية  2030 القضاء على الفقر والجوع، والضمان الصحي للجميع، والتعليم الجيد، والمساواة الاجتماعية، والمساواة في الحقوق، والحصول على المياه النظيفة، وطاقة نظيفة غير مكلفة، وتحقيق النمو الاقتصادي، وظروف عمل لائقة، وتطوير الصناعة بالتركيز على الابتكار، وبناء مجمعات مستدامة، والعمل على المناخ للسيطرة على التغيير المناخي، والحفاظ على الحياة المائية، والحياة البرية، وتحقيق السلام المجتمعي، والمنافسة العادلة بين المؤسسات، والعمل الجماعي لتحقيق الأهداف.
وتبدو هذه الأهداف والغايات بالنسبة لنا كعراقيين سيناريو لفيلم خيالي مفرط في اللاواقعية، ولكنها بالنسبة للدول التي تملك ستراتيجية وطنية لتحقيق التنمية المستدامة فإنها أهداف مرحلية يمكن تحقيقها بل وتطويرها والإضافة عليها، لأن الاستدامة في تفاعل دائم ولا نهاية للابتكار فيها، فالابتكار محور مهم من محاور تحقيق أهداف الاستدامة. غير أننا نعاني من ممارسات رسمية خاطئة نتيجة قوانين جامدة وأنظمة إدارية غير متطورة، وقوالب اجتماعية أصبحت مرفوضة في الدول والمجتمعات الأخرى ولكنها في مجتمعنا لها حضور وسلطة قد تكون أعلى من القانون، كل تلك أسباب جعلت المجتمع العراقي غريباً تماماً بسبب البعد الظرفي عن الوصول إلى غايات التنمية المستدامة في 2030.
غير أن العمل ممكن، ولكن بوجود خطة تعرف أين تكون البداية، وتضع مؤشرات إنجاز مرحلية ممكنة التحقيق، كلما تحقق منجز ازدادت الثقة وارتفع الطموح بتحقيق المزيد. مثل تلك الخطة تؤمن بالواقعية وبما هو موجود، وتعترف بالأخطاء، بل أن أية خطة عمل عليها أن تبني أفكارها على وجود الأخطاء وليس على فراغ يأتي من المكابرة بأن لا خطأ في ممارساتنا أو أنظمتنا وقوانيننا أو حتى في تصرفاتنا الاجتماعية.
ويدخل الأمن المجتمعي في مقدمة خطة تحقيق التنمية المستدامة، وخاصة إذا عرفنا أن الأمن المجتمعي هو الرابط الأساسي الذي يربط بين مقومات ومتطلبات الاستدامة المجتمعية والتي ترتكز خطة الأمم المتحدة 2030 عليها، والأمن المجتمعي مجموعة عوامل تبدأ من ضمان العمل المستدام واللائق لكل شخص قادر على العمل في المجتمع، غير أن البطالة في العراق تضرب بقوة وتهدد هذا الجانب الحيوي الذي يحرك المجتمع ونقصد به الأمن المجتمعي، وقد تكون البطالة سبباً في إحداث خلل في الأمن بمفهومه المعروف، لما تسببه البطالة من إحباط لدى الشباب يدفعه إلى الانتقام من مجتمع فرض عليه البطالة وحرمه من حقوقه المدنية في العمل اللائق والضمان الاقتصادي.
كما أن التفاوت الكبير في سلم الرواتب بين العناوين الوظيفية للقوى العاملة في المجتمع يكون سببا في خلق خطوط وحدود الفقر في المجتمع وخلق فوارق اجتماعية تهدد تحقيق الاستدامة المجتمعية، والعمل على تحقيق عدالة في الرواتب مقيد بسبب قناعات اجتماعية معينة تضع بعض العناوين والمهن في مستويات معيشية خاصة، حتى أصبح من ينتمون لتلك العناوين والطبقات يتصرفون كأن لهم مجتمعهم الخاص، وبعيدون جداً عن واقع مجتمعهم الحقيقي. مثل هذا التفاوت ينتج طبقات غير مترابطة في المجتمع وبالتالي ينتج مجتمعا غير آمن هيكلياً واجتماعياً، وينتج صراعاً اجتماعياً بين تلك الطبقات قد يكون في مراحل معينة صراعاً لا سيطرة عليه، ويهدد الأمن العام في المجتمع حين ينقطع التواصل بين طبقات المجتمع، لذلك تركز خطة 2030 على تحقيق العدالة والمساواة في فرص العمل والحصول على العمل وظروف العمل والتوازن بين الراتب والعمل وساعات العمل.
إن الظروف غير الطبيعية التي يعيشها المجتمع العراقي لم تأت من فراغ، بل جاءت نتيجة لانعدام أساسيات التنمية المستدامة ذات العلاقة بالأمن المجتمعي، أساسيات أصبح غيابها مخالفات قانونية في الدول والمجتمعات التي لها رؤية وستراتيجية التنمية المستدامة، غير أنها غائبة لدينا بسبب عدم وضوح التوجه العراقي نحو التنمية المستدامة رغم وجود شعارات وعبارات وكلمات، لكنها بدون وجود ستراتيجية وطنية برؤية واضحة تجعل التنمية المستدامة هي الغاية التي تسعى إليها الوزارات جميعها في ممارساتها الخدمية ويسعى إليها البرلمان في تشريع قوانينها، فأصبحت تلك الشعارات جامدة في إطارها أو محددة بالحدث الذي جاء بها، حتى أن بعض الخطوات التي قد تُحسب على التنمية المستدامة لم ترتقِ إلى ممارسة ذات ديمومة لتكتسب صفة الاستدامة، بل خطوات تفرضها ظروف ومطالب معينة، وليست خطوات نحو تحقيق تنمية مستدامة تحددها ستراتيجية وطنية.
لكي نحول سيناريو فيلم التنمية المستدامة 2030 من فيلم خيال بعيد، إلى سيناريو واقعي، علينا التخلي عن الكثير من القوالب والأنظمة وأن نمسح خطوطاً كثيرة تحيط بنا، وأن نلغي ممارسات خاطئة كثيرة، ولكن البداية هي: أن نملك جميعاً رؤية واحدة وأن نقف 
على أرضية واحدة، تلك أساس الأمن 
المجتمعي، ثم السلم المجتمعي، فالعدالة في الحقوق والواجبات، فتنمية مستدامة تنطلق من أرض الواقع، وليس في قرار أممي ليس لنا فيه شيء.

التعليقات معطلة