Pdf copy 1

حازم مبيضين 
ظلت عوامل الانفجار كامنة كجمر تحت الرماد، بعد أن أغلقت إسرائيل أمام الفلسطينيين أي نافذة أمل، وواصلت بناء المستوطنات وحصار غزة واستفزت المشاعر بالانتهاكات والتعديات على القدس والأقصى، وبحيث لم يبق للفلسطيني العادي ما يخسره وهو يراقب حالة الانقسام، وغياب أي أمل باستعادة الوحدة الوطنية وبناء ستراتيجية تتجاوز الواقع الراهن، وإذ انفجر الوضع في القدس، ظن البعض أنها الانتفاضة الثالثة، لكن ذلك لا يعني الذهاب إليها تلقائياً، فقد مرت القضية بمنعطفات كان كل واحد منها، كفيلاً بإشعال الانتفاضة لكنها لم تندلع.بالرغم من أن الرئيس الفلسطيني لم يفجر القنبلة الموعودة من على منبر الأمم المتحدة، فإن التصرفات الاسرائيلية المنفلتة من أي عقال قد تؤدي إلى تفجير الانتفاضة ولو بغير إرادته، ذلك أن الأجواء السائدة ترجح اندلاعها، وبحيث تصل الأمور حد الخروج على قواعد اللعبة والتحكم، غير أن الانقسام الفلسطيني يعرقل ذلك، فالفتحاويون ينظرون بريبة إلى دعوات حماس للتصعيد في الضفة، فيما هم يتباحثون حول هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة، ما يعني أن دعوات التصعيد تستهدف السلطة تحت شعار المقاومة، لخلق حالة من انفلات السيطرة تطيح بالسلطة، وتمكن حماس من الإمساك بمفاتيح الحكم والشارع في آن معاً.كنتيجة مباشرة لما بدا مجرد إرهاصات لانتفاضة ثالثة، أوعز نتنياهو للشرطة الإسرائيلية بمنع دخول الوزراء ونواب الكنيست اليهود إلى باحة المسجد الأقصى، ودفع انتشار الأحداث الأخيرة، إلى جميع أنحاء إسرائيل، رئيس بلدية القدس لإغلاق المدارس بسبب عدم اتخاذ تدابير لحمايتها، وقال إنه على ضوء الأحداث الأمنية والتصعيد الحالي، فإن حمل السلاح لمن لديه ترخيص بذلك، أصبح أمراً ضرورياً باعتبار أن ذلك أشبه بخدمة الاحتياط، كما طالب قائد شرطة مدينة أشدود أيضاً، كل من لديه سلاح أن يحمله معه.تتميز الانتفاضة الثالثة إن اكتمل اندلاعها، ببروز دور المستوطنين كقوة فاعلة ضدها، وهم اليوم يقومون بشكل منظم بالاعتداء على القرى الفلسطينية وحرق محاصيلها والتعرض لأهاليها، ويخططون لاستغلال انفجار الانتفاضة لمصلحتهم، فأعدادهم وقواتهم وتحضيراتهم تختلف جذرياً عن الانتفاضتين السالفتين، كما تمتاز الانتفاضة الثالثة بغياب قيادة حقيقية وفاعلة وقادرة على إدارة مجرياتها لصالح الشعب الفلسطيني، ما يعني الحاجة إلى منظومة دفاعية فلسطينية، قادرة على مواجهة المستوطنين، خصوصاً مع فشل سياسة التفاوض والحراك الدبلوماسي، ويروج البعض نظرياً لإمكانية عصيان مدني شامل، وتنظيم وتعبئة تامة للفلسطينيين في الدفاع عن قراهم ومدنهم، ومواجهة المشروع الاستيطاني، وبدء مقاومة للتحرر على نحو مختلف، وهذا سيكون انتفاضة ثالثة حقيقية.في الانتفاضة الأولى كانت أوامر اسحق رابين لجنوده اسحقوهم حتى العظم، وكانت نصيحة كيسنجر لهم إفعلوا ما تشاؤون لكن بعيداً عن عدسات التلفزيونات، لكن الواضح أن لا الأوامر ولا النصائح أفادت، فالشعب الفلسطيني حوَّل حجارة الأطفال إلى عنوان عالمي لمواجهة الطغاة والدفاع عن الأوطان، وإلى شعار كوني للمقاومة ضد المحتلين وضد المستبدين والقتلة في كل مكان، واليوم يبدو جلياً أن على نتنياهو أن يعي بدل إطلاق صرخة إنه صراع مع الفلسطينيين حتى الموت، أن الامر مختلف، وأن الصراع حتى الموت، يعني بالنسبة للفلسطيني نيل الشهادة، بما هي حياة أخرى أفضل وخطوة نحو تحرير الوطن.جهود الحيلولة دون اندلاع انتفاضة ثالثة تتم بمشاركة السلطة الفلسطينية، إلى جانب سلطات الاحتلال، مؤيدة بالدعم الأميركي والغربي، ويمكن القول إنها تحظى بدعم عدد من الدول العربية التي تخشى هذا السيناريو الذي لن يكون مجرد مظاهرات موسمية، وإنما اشتباك كامل مع الاحتلال وحواجزه ومستوطنيه، وتحدٍ عملي لكل سياساته وإجراءاته، فما يجري اليوم يتطلب وقفة جدية وموحّدة في مواجهة الاحتلال، وربما تتطلب الأمور وقف التنسيق الأمني، وإعادة الاعتبار إلى العمل الوطني المقاوم، والتخطيط الجيد لدعم روافع قيام انتفاضة فلسطينية ثالثة، على قاعدة استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووضع ستراتيجية جهادية وطنية موحّدة، ببرنامج وطني مقاوم.تصر إسرائيل على وصم الشباب الفلسطيني بالإرهاب، مع أنه يحاول ردع الهجمات الإسرائيلية على المقدسات والمحرمات، واضعة نفسها في صفوف تحالفات محاربة الإرهاب، وتعتقد أن عملية تفردها بالفلسطينيين ستجري في ظل قناعة عالمية بأنها جزء من جهود محاربة الإرهاب، وبذلك ينشغل العالم بالصورة الكبرى والواسعة، ويتغاضون على الوضع الفلسطيني باعتباره جزءاً صغيراً من الصورة الأكبر. ولعل ذلك ما يدفع الرئيس عباس للتشديد على ضرورة سلْمِّية الانتفاضة، لإفشال محاولات نتنياهو لتحويل تظاهرات واحتجاجات الفلسطينيين إلى مواجهات دامية وإطلاق صواريخ، ليقول للعالم إنه يواجه عصابات مسلحة، وليس شعباً محتلاً يطالب بحقوق مشروعة.ثمة تساؤل عما إذا كانت الأحداث الأخيرة تتشابه مع الانتفاضتين السابقتين، وإن لم تكن كذلك، فما السبيل لكبح التصعيد الحالي قبل أن يتحول إلى انتفاضة جديدة، مع ملاحظة أن مستويات السخط داخل المجتمع الفلسطيني هي نفسها التي كانت في اندلاع الانتفاضة الثانية، فقريباً من نصف المجتمع يؤمن أن الكفاح المسلح فقط هو الذي سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، والأغلبية تؤيد اندلاع انتفاضة مسلحة في غياب مفاوضات السلام، وتسارع وتيرة العنف وشدتها وقربها من بعضها، بالتزامن مع الارتفاع في التطرف اليهودي الذي يغذي المواجهات.اندلاع انتفاضة ثالثة يرتب على الفلسطينيين أكلافاً عالية يبدو أنهم مستعدون لتحملها وهم يسألون، ألم يحن أوانها بعد كل هذا الخراب وفقدان الأمل، وما الذي سنخسره بعد كل ما خسرناه؟، فلتكن انتفاضة.. ولماذا لا؟.

التعليقات معطلة