Pdf copy 1

الكاتب / هادي المياح 
مقدمة وفكرة عامة عن الرواية:
يبدأ السارد بالتلويح لحالة البؤس والاضطهاد في واقعه الذي يعيشه، فهو إنسان مثقف ( مهنته كاتب وروائي)ويحمل افكاراً وأيديولوجية مختلفة تسببت له بان يكون مطارداً من قبل السلطة الحاكمة، يدفعه وضعه القلق الى الاختباء والتشرد يعثر اخيراً وبمساعدة احد الأشخاص -ربما من الذين يحملون نفس أفكاره وهمومه- على سكن في منطقة العشار قرب سوق هرج ،سكن قديم شبه متروك، مع مجموعة من الشحاذين ..احداث الرواية تعكس أفكار ومعاناة شخصياتها المختلفة من خلال حوار على مائدة الطعام التي تجمعهم في الليل ويشترك معهم يتعرف على تطلعاتهم وأهواءهم ومتاعبهم ورؤاهم .. حيث الكل يسيرون باتجاه المجهول وهذا واضح تماما من خلال اللوحات الخلفية التي جسدها المؤلف لكل واحد ،حيث جمعهم القدر من أماكن مختلفة من البلد( مركز البصرة، اطرافها، ميسان، شمال العراق) .. هؤلاء هم النوارس التي ستهاجر اخيراً او بالأصح تلقى حتفها إما بسبب ظلم الحاكم المستبد او قسوة الظروف او الجوع والمرض.. السارد في الرواية يحكي قصة واقعية مر بها وعانى من وقع أحداثها ..يصف فيها حياة الشحاذين عن قرب وهو يعيش بينهم ويعرض معاناتهم وألامهم بوسيلة عرض راقية للوحاتهم الخلفية التي رسمها بدقة قبل ان يلجئوا الى مهنة الشحذ والتسول،التي اودت بحياة أكثرهم في النهاية الى الانتكاس والموت بسبب المرض والتلوث البيئي، تهاجر النوارس بعد ذلك رغماً عنها من مواطنها وصدورها مليئة بقهر السنين وعذاباتها. 
١.عتبة الرواية:
عتبة الرواية تبتدأ بعنوان يتكون من كلمتين بصيغة المضاف والمضاف اليه والتي تعطي مدلولا متكاملاً لتعالقهما معاً في تكملة المعنى الدلالي بالمفردة الاولى (هجرة )تعني في اللغة مغادرة وترك او تخلية الموقع وتوحي بان هناك سبب أو عدة اسباب أرغمت القائم بالفعل في ترك محله والتخلي عنه ربما لفترة محدودة او دائميه كل ذلك يتم استنتاجه من مشاهد وحبكة الأحداث في المتن الروائي.
وحينما نقول (هجرة )نحن بحاجة الى مفردة اخرى توضح مسمى آخر مرتبط بالمفردة الاولى او مضافة اليها وهنا جاءت مفردة (النوارس )التى تعني طيور بيضاء تعيش على صيد الأسماك في مياه الأنهار  والبحار للتغذي عليها.هاتان المفردتان مع بعضهما يشكلان الدالة لمدلول مهم اختاره الكاتب وله حتما علاقة بأحداث الرواية وموضوعها.. لماذا تهاجر النوارس المكان التي استوطنت فيه ؟ هل هو للنزهة ام انها تعرضت لخطر ما أحاط بها ؟ 
٢.نوع الرواية
هي رواية مونولوجيه ذات سارد واحد يمتلك إيديلوجية واحدة ورؤية واحدة تتعدد فيها الشخصيات ولكن يجمعها صوت واحد ، هذا الصوت ينطلق من رؤية ومنظور السارد ولا يتقاطع مع اي رؤية أخرى حملتها الشخصيات كنتيجة حتمية للاختلاف في الافكار والمذاهب ..
تمتاز شخصياتها بأنها مسالمة ويجمعها هدف واحد هو الاستمرار في العيش بعيداً عن الاضطهاد سواء كان من السلطة او من حالة الفقر المدقع او بسبب العاهات والعجز.
وتبدو شخصيات الرواية إستسلامية يتملكها الخنوع والضعف وجميعها تنتظر مصيرها الأسود ولا أمل لها بانتظار فجر جديد ينقذها من هذا المأزق الذي تعيشه. 
٣.السارد ونوع السرد
كتبت الرواية بأسلوب سرد الشخص الاول  ورويت القصة بواسطة سارد أعلن عن وجوده باستخدامه ضمير المتكلم (انا) الذي يشير الى السارد(تسريد إلانا ، تسريد الذات)والى الشخصية ( تجربة ألانا) معاً.. كون السارد هو  الشخصية الرئيسية في القصة ( شخصية وجهة نظر ) تسرد الأحداث من منظورها الخاص ومن الداخل.السارد في هذا النوع من السرد المتجانس يعاني من محدودية الإحاطة بالشخصيات و ما تفكر به في أي وقت ومكان وهذا ما يسمى ( مشكلة العقل الاخر)
 ولهذا لجأ الراوي بالقيام بقفزات على مستوى الضمائر   ليحول فيها نمط السرد من سرد الشخص الاول الى سرد الشخص الثالث باستخدامه ضمير الغائب ( هو) ..ثم يعود السارد مرة اخرى الى سرد الشخص الاول بالاستفادة من خلق بعض التعتيم والحشوات مابين المقاطع لتسير بالتالي بصورة انسيابية وبدون توقف.وهذا التحول ليس سهلاً في العمل الروائي خاصة لانه يحتاج سد الفراغات الناشئة بسبب هذه الاسترجاعات او القفزات زمانية كانت او مكانية..
٤.فضاءات الرواية ومستويات السرد:
الفضاء الزمني: 
الرؤية الزمنية للرواية تتمثل بتموضع السارد في الزمن الحاضر وهو يرو أحداثاً من الماضي بدون ان يؤثر ذلك على التسلسل الكرونولوجي للأحداث لذا تستمر الأحداث بتتابع واضح دون اللجوء للقفزات السريعة او البطيئة في الزمن، فالزمن ثابت في الرواية ومتماثل مع الزمن السيكولوجي (النفسي) للشخصيات  بحيث يبدو الاثنان وكأنهما متطابقان  رغم ان الراوي لا يعتمد على الفعل المضارع بشكل مستمر في سرد الأحداث .ورغم انه يلجأ في بعض الأحيان لوسيلة عرض الخلفيات للشخوص باستخدام وسيلة السوابق أو الاسترجاعات لتعريف القارئ بحالة الشخوص في فترة سابقة من الحياة وبيان ما جعلها تصل الى هذه الحالة من البؤس والشقاء ..
زمن وقوع الأحداث هو زمن ماضي زمن التسلط والديكتاتورية المقيته وما رافقها او سببته من ادخال العراق في حرب مستعرة طالت ثمان سنوات وعانى منها العراقيون اقسى انواع الدمار والموت وخنق الحريات والأفكار ، فكانت الشخصيات تعيش حالة التشرد والضياع والهروب من ظلم الطغاة،كان ذلك في زمن الحرب العراقية الإيرانية. 
الفضاء المكاني:
يتحرك السارد في أماكن معروفة بتسمياتها وابعادها التاريخية وحضورها الواضح ( البصرة القديمة، الداكير، النهر اليهودي، ابي الخصيب، العشار، سوق الهرج،شط العرب،مكابس التمور،شارع الكويت،أسد بابل،ناحية المشرح،محلة الجمهورية ،الفيصلية سابقا،كازينو البدر، الطبگة، التنومة، تمثال بدر شاكر السياب….. والكثير من الامكنة التي تناولتها الرواية) 
هي بحق موسوعة تراثية وتاريخية شاملة قدمها المؤلف بكل حذق واستطاع بذلك ان يصل الى قلب المتلقي بذكر هذه الشواهد التي تمتلأ بها مناطق العراق الجغرافية مقرونة بأدوارها التاريخية وان كانت بأسلوب موجز وإيحائي .. لم يترك المؤلف صغيرة ولا كبيرة  الا وذكرها بطرح ممتع وجاذب. مما جعلني أصنف هذه الرواية على انها رواية واقعية في اغلب معطياتها واحداثها..
اما المستوى المكاني فان السارد او الراو موجود في الواقع دائماً يتحرك فيه ويفكر ويفكر ويعاني كأي شخصية من شخصياته، وهو واقع حقيقي ومحسوس وليس واقعاً افتراضي او خيالي آتٍ من تخيلات المؤلف .
٥.اللغة :
لغة السرد تطغي عليها شاعرية روايات القرن التاسع عشر فيها عناصر جذب وتشويق وتقريب المشاهد وتحويلها الى صور رائعة تجسد الأحداث دون ان تفتح للملل بابا.. لغة سهلة وانسيابية وغير معقدة التراكيب يتخللها حوار مقتضب ومفهوم .. لجأ الكاتب الى المجاورة بين الأجناس  للاستفادة من الحقول المجاورة للرواية كالشعر وخاصة الشعر الغنائي لكونه تراث متداول في تلك الفترة ويتناغم مع حالة الحزن والمأساة والعوز ، الأغاني تميل الى اللون الحزين ولكنها محببة للنفوس ولا زالت حتى الوقت الحاضر .
وأخيراً فالرواية التي بين أيدينا هي عمل فني جيد يوثق زمن قاس مر بالعراق ولا زالت نتائجه السلبية سارية لحد الان ، وربما أصبحت اكبر مما مضى بكثير ،بحيث لا يصعب على احد تناولها والكتابة عنه.

التعليقات معطلة