حازم مبيضين
لم يكن التطور الدراماتيكي في إقليم كردستان العراق مُفاجئاً، بعد تعذر حسم مشكلة الرئاسة وتراكم المشاكل الاقتصادية، واندلاع احتجاجات كبيرة وعنيفة، ومهاجمة مقار الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرأسه مسعود بارزاني، ما أفضى إلى تشنّج سياسي لا مثيل له، منذ الحرب التي اندلعت بين «الديمقراطي» و»الاتحاد الوطني»، في تسعينيات القرن الماضي، وتدخل فيها صدام حسين لصالح بارزاني، باعتبار أن خصمه طالباني محسوب على إيران، وفي تطور لافت اتخذت رئاسة الإقليم قراراً تصعيدياً أمرت بموجبه وزراء ونواب حركة التغيير وبينهم رئيس البرلمان بمغادرة العاصمة أربيل، وطردهم من الحكومة، وبدأ مسؤولو قوى سياسية مباحثات لتشكيل حكومة جديدة، تُبعد حركة التغيير المعارضة من تركيبتها، في محاولة لإسكات المعارضين للأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة، وتتركز هذه الاتصالات حول ما إذا كانت الظروف الحالية مهيأة لتشكيل حكومة جديدة، في ظل الاضطرابات الخطيرة التي يشهدها الإقليم منذ أكثر من أسبوع.
حركة التغيير ترى في الأمر انقلاباً يستهدف استحواذ الحزب الديمقراطي على السلطة بعد فشل الحكومة بحل مشاكل المواطنين، واتهمت «الديمقراطي» بالقتال من أجل كرسي الرئاسة بعيداً عن القانون ومبادئ تسليم السلطة سلمياً، وأنه تم خلط مسألة الرئاسة مع مشاكل أخرى، ومن الضروري حل هذه المسألة بسرعة ووفق القانون، وكانت الأحزاب الخمسة الرئيسية في الإقليم فشلت في الاتفاق على حل لمشكلة الرئاسة، حيث قدمت أحزاب «المعارضة» الأربعة اقتراحين إلى «الديمقراطي» لحل المشكلة، غير أنه رفضهما وتقدم بمشروع جديد، تراه الأحزاب الأخرى إعادة لقانون الرئاسة الحالي، الذي تسعى إلى تعديله، وتقليص صلاحيات الرئيس، وعدم تولّي بارزاني ولاية أخرى، وبعد تسعة اجتماعات، علّقت تلك الأحزاب اجتماعاتها مع «الديمقراطي» بشأن مشكلة الرئاسة، وظلت المعضلة قائمة وتنذر بعواقب وخيمة، فبرلمان الإقليم مشلول بسبب عدم موافقة «الديمقراطي» على تخويله حل المسألة لعدم امتلاكه أغلبية تمكنه من التحكم بقراراته، فيما يصر الآخرون على الرجوع إليه، باعتباره مرجعاً لحل مثل هذه القضايا.
رغم أن القضية الاقتصادية موجودة في صلب الاحتجاجات، فإن نقطة الخلاف الأساسية هي رئاسة الإقليم، ولا شك أن العائلة البارزانية تعتمد على مشروعية اكتسبتها من نضالها التاريخي ونفوذها العشائري، ما يمنحها الحق برئاسة الإقليم، واتفقت على ذلك مع الاتحاد الوطني، مُتخلية له عن رئاسة الجمهورية، لكن هناك اليوم جيلاً جديداً يرى أن الحاجة مُلحة لنظام سياسي يتناسب مع التطور، ومع الاحترام لكاك مسعود ومع تقدير تاريخه النضالي فإن المؤكد أنه ليس الوحيد القادر على قيادة الإقليم، فهناك العديد من الشخصيات السياسية المؤهلة ومن أبرزهم السياسي المعتق محمود عثمان، والمثابر النشيط برهم صالح وغيرهما الكثير، فيما تعيد الأحداث الراهنة إلى الذاكرة ما ساد الإقليم قبل 20 عاماً، حيث قامت إدارتان متناحرتان فى أربيل والسليمانية، لكل منهما حكومة ووزارات وشرطة وأجهزة أمن، ولا تزال ذيول ذلك الزمن واضحة حتى اليوم، وكأن التاريخ يعيد نفسه، وكأننا على أبواب حرب أهلية في وقت تخوض فيه قوات «البيشمركه» حربا دفاعية ضد داعش رغم أن هذه القوات لم تتوحد بالكامل، فبعضها تحت إمرة «الاتحاد» وبعضها الآخر يتبع «الديمقراطي»، وبديهي أن هذا الواقع يؤثر سلبا على منجزات «البيشمركه» الذين يحظون بتعاطف غربي واضح.
ليس سراً أن جماعة بارزاني يتمتعون بدعم أنقرة، فيما تحظى الأحزاب الأربعة الأخرى بتأييد طهران، ومعروف أن علاقة إيران بالسليمانية ظلت متميزة بسبب الجغرافيا على الأقل، وليس سراً أن إيران تدعم محور السليمانية نكاية بأربيل، الساعية لإقامة شراكة سياسية واقتصادية وأمنية مع تركيا، وإلى حد إقامة خط أنابيب لتصدير النفط من الإقليم حتى دون موافقة بغداد، فضلاً عن علاقات بارزاني المتميزة مع الغرب وسعيه المتواصل للانفصال عن العراق وإقامة دولة كردية، وما لذلك من تداعيات على كرد ايران، كما أن من الممكن أن يكون لحزب العمال الكردستاني «التركي» يد في الاحتجاجات ضد بارزاني بسبب علاقته الوثيقة بحكومة أردوغان.
يقف إقليم كردستان، امام تحديات مصيرية، أولها وأبرزها استهدافه من قبل داعش واستمرار القتال مع هذا التنظيم الارهابي، وثانيها الاقتصاد المتأثر اليوم بهبوط أسعار النفط ما يؤثر على مساهمة الحكومة المركزية في ميزانية الإقليم، والأهم هو عدم اتفاق الاحزاب على كيفية الخروج من مأزق اختيار رئيس للإقليم، وما يشهده الاقليم اليوم ليس إبن ساعته، لكن تسارع الأحداث وحدّتها يبينان خطورة المشهد، خصوصاً مع الاختراقات الإقليمية للأحزاب القائمة، ما يستدعي تبني سياسات ديمقراطية على طريق تحقيق أماني الأمة الكردية، بدل التفكير القاصر في إنشاء إدارتين منفصلتين، أو إنشاء إقليم جديد يحتمي بإيران وبغداد، ويعادي الإقليم الآخر الذي سيجد نفسه مُجبراً على الاحتماء بحليفه التركي.
وبذلك يخبو مرة أخرى حلم إنشاء دولة تجمع شتات هذه الأمة، تحقيقاً لمكاسب حزبية وشخصية رخيصة.

