د. أحمد يوسف أحمد
يبدو من تطورات الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة وكأننا في الطريق إلى انتفاضة فلسطينية ثالثة كبرى بعد انتفاضتي 1987 و2000، وسواء حدث هذا أم لم يحدث فإن دلالته بالغة الأهمية؛ لأن اتجاهاً بين المحللين الإسرائيليين كان قد بدأ يشير في ثقة إلى ضعف احتمالات عودة سلوك الانتفاض إلى الشارع الفلسطيني لأن فلسطينيي الضفة بالذات بات لديهم ما يخشون عليه، بمعنى أن حياتهم قد تطورت على نحو طيب، بحيث يخافون على ضياع ما تم من تحسن في مستوى معيشتهم. والواقع أن هذا النوع من التفكير النمطي بامتياز سيطر عادة على العقلية الاستعمارية غير القادرة على فهم سيكلوجية الخاضعين للاحتلال التي تدفعهم إلى المقاومة ولو بدافع اليأس فضلاً عن كون المستعمر لا يفهم عادة معنى الوطن وارتباط أبنائه به وردود فعلهم لامتهان كرامته وإلا فليدلني أحد على معنى أن يقدم صبي صغير على طعن مستوطن أو جندي وهو يعلم أن مصيره في أغلب الظن هو الاستشهاد فإن لم يكن فهو الأسر. وهذا هو المعنى الإيجابي الأول للانتفاضة الراهنة للشباب الفلسطيني لأنها تؤكد أن روح النضال التي تولدت ونمت وتوهجت عبر المسيرة الطويلة للشعب الفلسطيني منذ سلبت أرضه لم تمت. قد تخبو حيناً بفعل هذا العامل أو ذاك ولكنها تعود دائماً كي تؤكد أنه طالما أن اغتصاب الوطن وتشريد أبنائه وامتهان كرامتهم قائم فإن الشعب لن يهدأ حتى يسترد حقوقه، وأن زمن قدرة المستعمر الغاصب على إبادة البشر قد ولّى، ومن الأمور ذات الدلالة الإيجابية أن سلوك الانتفاض لم يقتصر على القدس الشرقية حيث يمعن المستعمر في اغتصاب الأرض وامتهان المقدسات والعصف بالحقوق بما فيها الحق في الحياة، وإنما امتد إلى بقية الضفة الغربية بل إلى فلسطينيي الأرض التي اغتصبت في 1948، فهل يفهم قادة «فتح» و«حماس» المتنازعون الدرس؟
لا يدعي أحد أن ما يجري حالياً في الأراضي الفلسطينية سيعيد الحقوق لأصحابها، ولكنه بالتأكيد خطوة على الطريق، ولو أن قادة الفصائل الفلسطينية اقتدوا بشعبهم ووحدوا جهودهم لأعقبت هذه الخطة خطوات فاعلة كثيرة في إطار رؤية سليمة واضحة واستراتيجية شاملة، ولكن هذا لا يعني أن ما يجري الآن من انتفاض شعبي لا طائل وراءه، ويكفي أنه كهبّات شعبية أخرى سبقته قد كشف مجدداً عن الوجه بالغ القبح لسلوك المحتل الإسرائيلي وزاد من افتضاح هذا القبح في العالم أجمع. وقد يستخف البعض بأمر كهذا، غير أنه من الواضح أنه يصيب قادة إسرائيل بذعر حقيقي خوفاً من مزيد من تطور التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني ونمو الاتجاهات الداعية إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية كما بدا واضحاً في الاعتراف السويدي، وكذلك اعتراف عديد من البرلمانات الأوروبية بها هذا العام، والخوف أيضاً من النمو المطرد لحركة المقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل عبر العالم والمزيد من تبلور الكيان الفلسطيني دولياً وصولاً إلى رفع العلم الفلسطيني مؤخراً في الأمم المتحدة. وهكذا بدا نتنياهو شديد العصبية وهو يخاطب الصحفيين الأجانب ويحرص على التحدث إليهم بالإنجليزية ويدافع عن إجرامه بحق الفلسطينيين بالتساؤل عما يمكن أن تفعله الشرطة في أي مكان آخر مثل نيويورك أو واشنطن أو لندن إذا خرج الناس عليها بالسلاح الأبيض يهاجمون المواطنين العزل، ويبدو أن الفكرة أعجبته فإذا بمندوبه في الأمم المتحدة يرددها حرفياً! ويتناسى هؤلاء أن الشرطة في نيويورك وواشنطن ولندن ليست شرطة احتلال تغتصب حقوق الناس وتمتهن كرامتهم. والذعر نفسه يبدو واضحاً من واقعة الطفل أحمد مناصرة الذي قيل إنه أقدم على طعن مستوطن فأطلقت للشرطة الإسرائيلية النار عليه، وذكر الرئيس الفلسطيني أنه قتل بدمٍ بارد بينما كان قد أصيب ونقل إلى المستشفى فملأ الإعلام الإسرائيلي الدنيا صخباً كي يدلل على افتراء الرئيس عليهم وكأنهم لا يقتلون الأطفال والشباب في كل يوم.
لن تعيد الانتفاضة الفلسطينية الأرض والبشر، ولكنها صرخة إلى العالم كي يفهم ويزيد من تعاطفه ودعمه لحقوق الشعب الفلسطيني، وهي قبل ذلك صرخة للقيادات الفلسطينية لعلها تعترف بعجزها وبأن نقطة البدء في الخلاص من هذا العجز هي التوحد من أجل تصويب مسار النضال الوطني الفلسطيني واستعادة فاعليته، فهل من مجيب؟

