Pdf copy 1

هادي المياح 
وجد نفسه مرمياً في شق مهلهل من الارض، وآثار حرائق مشتعلة في الملجأ وجذوع النخيل المحيطة به ،صمت مخيف وسكون تام،كان القصف المباغت الذي استمر لمدة نصف ساعة تقريباً، قد طال كل شيئ وكانت الخسائر كثيرة بين أفراد الفوج .أجريت عمليات الإنقاذ ونقل المصابين والجرحى الى المستشفيات والمراكز القريبة .
أزاح بيديه ما غطى جسمه من اتربه متناثرة وما تطاير من صفيح الملاجئ. حاول ان يستنجد بأحد ما .لكن لا وجود لأحد هنا.خطر بباله مقولة دائما يرددها العسكر: الحرب كَر وفر. ولكنه الان بعيداً عن كلتا الحالتين.
كان الجميع في حالة انتظار، مابين مجاز ينتظر إجازته الدورية ، وآخر ينتظر استلام مرتبه الشهري، كانوا يتحركون بحرية بين المواقع رغم ان الأجواء تنذر بمعركة على المدى القريب، ومع ذلك فقد اعتاد الجميع ظروف المعركة بسبب التكرار الممل ورتابة الأحداث : قصف. هجوم. سقوط ضحايا!
كان الكل يترقبون نائب ضابط الرواتب ليجلب لهم رواتب الفوج وكانت هناك بقايا ضحكة ترتسم لتعبر عن امل محبوس في صدور الجميع، أمل بالنجاة من الموت ،واستلام الراتب ،ونموذج الإجازة . وكان هو من بين وجبة المجازين الدورية، وينتظر توقيع نموذج إجازته بفارغ الصبر.
في الجهة المقابلة للفوج ربما بمسافة لا تتجاوز الكيلو متر، يوجد الكثير ممن يشعر بنفس مرارة هذه اللحظة، لكنه لم يكترث لما يحصل خلف الساتر من انين لأمثاله من الجنود لأنهم بحكم قوانين الاقتتال المتشعبة، هم أعداء له ، قد لا يكونوا أعداء اً حقيقيون، ولكنهم بحكم هذه القوانين ، هم أعداء ويستحقون الموت! تذكر مرة انه كان في الحجابات والحجابات تعني الخطوط الأمامية مع العدو ،وكانت قد امتلأت السماء بالغيم، ثم كان صوت الرعد يسمع بشكل مخيف..وخاصة حين يتخلله الرعد الأرضي لمدفعية الوحدات في الجهة المقابلة . كانت المسافة بين الطرفين المتقاتلتين لا تتجاوز الامتار ،وكان يسمع عندما يحين وقت الصلاة صوت المؤذن وهو في موضعه خلف الساتر المعادي، فيصلي الجميع ،جميع الإخوة، الأعداء .كما تذكر بان البعض حينما يطلق نكتة في احد الاطراف ،تسمع ضحكات من الجنود في الطرف المقابل!ولكن ربما لاتصدق مثل هذه الحكايات!ولكنها حدثت فعلاً في واقع الحال.
ظلت عيونه شاخصة تراقب كل شيئ، حركة عجلة قادمة، هرولة جندي بين مواقع الفوج. يستمع الى كل صوت ينجم عن ضرب الارض بالبصطال من الملجأ المجاور لان ضربة من هذا النوع تعني لديه إداء تحية الانصراف. لقد سمع هذا الصوت الان فعلاً، وظهر على باب الملجأ رأس عرفاء الفوج وبيده إضبارة المجازين، فتهلل وجهه بالفرح وسَرِح بعيداً بعيداً، رأى زوجته وهي تبتسم له واطفاله يتسابقون لعناقه ،رأى أصغرهم يحبو نحوه ،فتلقفه فوراً باحضانه ، ثم قذف به الى أعلى في الهواء، صاح الجميع مرة واحدة وبقوة لاااا ..علت وجهه ابتسامة عريضة ، وشعر بالدفء ينبعث من جسد الصغير وهو يحتضنه مرة اخرى.
تحسس رأسه وباقي جسمه بيديه، سائل لزج يسيل من جبهته وينحدر على خده ،اقتطع بطانة جيب بنطاله الداخلي ومسح دماءه وحاول ان يسعف به جرحه.
 وبعد ان تأكد من سلامة قدميه. زحف قليلا الى خارج الخندق. تطلع الى امام، لا زال السكون يهيمن على كل شيئ ،ثم انتقل الى مسافة ابعد، كان منظر الجثث المسجاة هنا وهناك، قد ارعبه..فكر في الابتعاد عن هذا المكان فوراً ، نهض يجر نفسه بين الخنادق الشقية، وعيونه تتنقل في كل الجهات، شعر بالجفاف والضعف ،تراجع الى الخلف ، تعثر دون ان يدري بكيس بوليفين مملوء بالأوراق المالية، مزقت الشضايا خاصرته، فاندلقت ربطات الأوراق المالية منه وانتشرت في الارض .مدّ يده وأمسك بربطة من فئة (خمسة وعشرون دينار) ، ولكنه عاد ورماها الى الارض مرة اخرى وهو يهمس مع نفسه: ماذا ستفيدني هذه الأموال، هي الان لا تساوي شيئاً،أمام حياتي المهددة ، عليَّ ان ابتعد عن هذا المكان الخطر.
استمر بالتراجع الى الخلف، وقع امام عينيه كيساً آخر مملوءًا بأرزاق جافة ، تناول منه قطعة واحدة من الصمون قربها من فمه، قضمها ،لكنه لم يحس بطعمها المعتاد، هولَ ما رأى جعله لا يميّز جوعاناً هو ام لا ؟ بعد لحظات تسربت الى انفه عن قرب رائحة شواء كباب ،او هكذا بدا له. تمنى ان يكون الكباب حاراً بمتناول يده الان، يطويه بداخل قطعة الصمون ، عسى ان يجرب بذلك حاسة الذوق عنده. ولكنه كان يجهل مصدر هذه الرائحة.. تساءل من يا ترى يشوي الكباب في مثل هذا الوقت؟
 ، حاول ان يستطلع الامر، وبغتة رأى دخاناً يتصاعد من بعيد. زحف نحوه حتى اقترب أكثر، ثم شاهد ناراً تشتعل في أطراف احدى الجثث . 
إرتد الى الوراء، واشاح بوجهه. ورمى قطعة الصمون التي بيده. منظر الجثة أشعره بمرارة راحت تتصاعد لاعلى جوفه. مرت لحظة صمت كئيبة، عرف ان هناك أمر خطير يحدق به، ألقى نظرة سريعة على الوجه، وما ان عرفه، حتى بهُتَ من المفاجأة، فقد كان هو نائب ضابط الرواتب في الفوج.

التعليقات معطلة