سيزار شلالا 
في مسرحية شكسبير الشهيرة «الملك لير»، يقول لير: «عندما نولد نبكي لمجيئنا إلى مسرح الحمقى الضخم هذا». 
تذكرت هذه الكلمات إثر قراءتي تصريح رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو الذي قال فيه إن الحاج أمين الحسيني، مفتي عام القدس والوطن العربي والخصم المتقد للصهيونية، كان أحد المحرضين الرئيسيين على «الهولوكوست» ( محرقة اليهود من قبل النازيين ). وبتأكيده هذا، لم يظهر نتنياهو جهله بالتاريخ فحسب، بل إنه – وهذا أكثر خطورة – يسهم في شيطنة الشعوب العربية، بخاصة الفلسطينيون.
والقصد من كلمات نتنياهو هو إعطاء الانطباع بأن مقاومة الفلسطينيين اليوم تتأسس على كرههم للشعب اليهودي، وليس على الاحتلال الغاشم الذي يكابدونه منذ عقود. ومع انه ثبت تاريخيا أن الحسيني التقى هتلر عام 1942 وسعى إلى الحصول على دعمه، إلا أنه ليس هناك أي دليل على أنه اقترح على هتلر فكرة «الحل النهائي». 
وهذه ليست المرة الأولى التي يعبر فيها نتنياهو عن مثل هذا التأكيد الشائن. فقد سبق أن قال شيئاً مماثلاً في خطاب أمام الكنيست عام 2012. 
ونفى متحدث باسم الحكومة الألمانية صحة بيان نتنياهو، وأقر، في خطوة غير معهودة، بأن ألمانيا النازية هي وحدها المسؤولة عن قتل 6 ملايين يهودي.
ومع أن نتنياهو حاول تلطيف تأكيده الأصلي في تصريح لاحق، إلا أن كلماته لا تفعل سوى تأجيج وضع محتدم أصلا بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين». 
وتصريح نتنياهو لم يكن مجرد زلة لسان عادية. فقد قرأه في نص أعد سلفا باللغة الإنجليزية، ثم بعد قليل من نطقه به تمت ترجمته إلى العبرية، وظهر على موقع مكتب رئيس وزراء «إسرائيل» على الإنترنت. 
وقالت دينا بورات، البروفيسورة في قسم التاريخ اليهودي في جامعة «تل أبيب»، وكبيرة مؤرخي «ياد فاشيم» – النصب التذكاري «الإسرائيلي» الرسمي لتخليد ضحايا الهولوكوست – إن تصريحات نتنياهو كانت «مغلوطة كلياً من جميع الجوانب». وبتأكيد أكثر تركيزا، قالت بورات لصحيفة «هاآرتس»: 
« هتلر لم يكن بحاجة لأي كان حتى يشجعه على الحل النهائي. وفيما يتعلق بالوقائع، ليس هناك مجال للنقاش. كل تلك الأعمال، هواجس هتلر، لم يكن لها أي صلة بالمفتي». 
وحسب بورات، أبلغ هتلر المفتي بأنه «سيستمر في خططه» التي سبق أن بدأ بتنفيذها، ولم يكن بحاجة إلى موافقة المفتي. وقالت بورات إن خطط هتلر لإبادة يهود أوروبا وضعت قبل سنوات من لقائه مع الحسيني، بل إن هناك إشارات إليها في كتابه «كفاحي»، الذي نشر في العام 1925. 
نتنياهو لديه قدرة فريدة على تكوين واقعه الخاص، الذي يتناقض في حالات عديدة مع الحقائق. ونتنياهو يتهم على نحو متزايد بالافتقار للمصداقية والقيادة. وفي كلمة أمام اجتماع للمعهد «الإسرائيلي» للديمقراطية ( مركز دراسات في «تل أبيب» )، دعا جدعون ساعر، وهو وزير سابق من حزب الليكود، إلى أن يتولى السلطة «قائد حقيقي يتحمل المسؤولية ولا يلقيها على آخرين، قائد يجد لاتخاذ قرارات، بما فيها قرارات صعبة، ولا يتهرب منها». ثم أضاف: «إسرائيل» «تصرخ طلباً لقيادة فاعلة. لقد شبعنا كلاماً…» وتأكيدات نتنياهو بخصوص الهولوكوست ليست مدعومة بالتاريخ. كما أنها تهدد بتفاقم وضع من العداوة، ما يمكن أن يؤدي إلى نزاعات حتى أكثر عنفاً ويقضي نهائياً على إمكانية إحلال السلام في المنطقة.

التعليقات معطلة