علي حسن الفواز
باتت الولايات المتحدة أكثر حرجا في التعاطي مع الملف الأمني العراقي، وأكثر قلقا في البحث عن مخارج للأزمات التي تعيشها العملية السياسية، إذ وضع الدخول الروسي السريع والمثير الأجندة الأميركية أمام مفارقات معقدة وأمام معالجات ومواقف تُفسّر الكثير من الألغاز التي تحيط الملف الأمني وتداعياته. وبقطع النظر عن المواقف الأميركية المعلنة، فإن ما يحدث على الأرض يثير لغطا ومواقف من الصعوبة الركون اليها، ووضعها في سياق سياسات فاعلة وحقيقية لمواجهة الإرهاب الداعشي من جانب، والتصدي لتعقيدات الواقع السياسي والمالي الذي تواجهه العملية السياسية العراقية من جانب آخر. الحديث عن إرسال المزيد من القوات الخاصة الأميركية الى العراق واحد من الإجراءات التي تريد تسويقها اميركا، لتبرئة مواقفها إزاء ما يجري، لا سيما مع الكثير من اللغط حول عدم جدية التحالف الدولي الذي تقوده أميركا للقضاء على داعش، وتقديم الدعم الحقيقي للقوات الأمنية العراقية في معارك تحرير المدن.
وحتى الحديث الذي أشاد فيه الرئيس الاميركي أوباما بقدرات القوات العراقية والحشد الشعبي في عمليات بيجي والرمادي، يحمل معه العديد من علامات الاستفهام حول الجدية في الاجراءات اللوجستية والمعلوماتية والتسليحية، والتي وضعت الدور الأميركي في مقارنة واقعية مع الدور الروسي في سوريا، والذي تمكن وخلال مدة وجيزة من تغيير الكثير من المعادلات العسكرية في الميدان. التحركات الأميركية السريعة تتطلب اجراءات واقعية على الارض، ومواقف أكثر وضوحا في دعم العراق عسكريا وتسليحيا وسياسيا، واتخاذ مواقف تعزز مسار السياسة العراقية إقليميا وسط العديد من الأزمات، والسياسات غير المطمئنة التي تعلنها علنا دول الخليج، وآخر هذه التحركات حوار الدائرة التلفزيونية بين الرئيس الأميركي ورئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، والذي تضمن البحث في آفاق التعاون الثنائي بين البلدين في مجالات مواجهة تداعيات الحرب على داعش، ودعم العملية السياسية ومواجهة التحديات الأمنية وانخفاض أسعار النفط، وتأثيراتها على الواقع السياسي والاقتصادي العراقي.
هذا الحوار ليس بالجديد، لكنه يكتسب في هذه المرحلة أبعادا أخرى، خاصة في ظل ما تحقق من انتصارات كبيرة في المعارك الأخيرة في بيجي ومصفاتها، وفي الرمادي، والدور الذي لعبته القوات العراقية والحشد الشعبي والعشائر في تعزيز لحمة العراقيين، وقدرتهم على تحقيق الانتصار الميداني على الارهاب، فضلا عن تزامنه مع تداعيات ما يحدث في سوريا بعد تدخل الطيران العسكري في ضرب أكثر من 1400 هدفا في المدن التي تحتلها الجماعات المسلحة. دعوة أوباما الى توسيع مديات دعم العراق أمنيا، وحث المجتمع الدولي للقيام بمثل هذه المهمة ينطوي أيضا عن محفزات تراهن على تحييد العراق وعدم ذهابه بالكامل الى الحلف الرباعي الذي يضم روسيا وايران وسوريا والعراق، مقابل تقديم ما يمكن تقديمه لمواجهة وقائع الحرب المفتوحة مع الارهاب والتحديات الاقليمية والدولية. حديث العبادي خلال هذا الحوار يعكس أيضا قلق العراق من هذه التحديات، وضرورة أن يكون الدعم الدولي والأميركي واقعيا وحقيقيا لتحقيق الانتصارات ودعم جهود أبنائه للمساهمة في التحرير، وفي بناء الدولة ومؤسساتها، ودعم الدولة العراقية بمواجهة مخاطر التدخلات الخارجية والفساد، فضلا عن إسناد مسار العملية السياسية بدعم توافق فرقاء العملية السياسية العراقية على أساس مشروع سياسي وطني واسع.
الحفاظ على وحدة العراق السيادية هي العنوان المشترك بين العراق والولايات المتحدة، وهو ما يسعى الرئيس الاميركي في أكثر من مناسبة للإعلان عنه، رغم أن واقع الأمور وتصريحات بعض المسؤولين العراقيين يكشف عن سياسات لا تتحدث صراحة عن العراق الواحد، وأن فكرة التقسيم الطائفي يمثل أجندة مكشوفة في هذه السياسات.
إن وحدة الأرض العراقية ليس رهانا رومانسيا، لأنها تعني تعايش العراقيين على أسس واقعية، وبقدر ما فيها صعوبات، الا أن جوهرها سياسي، وأن معالجة الملف السياسي ينطلق من تكريس وطنية المواقف العراقية، ومن مواجهة أجندة البعض الداعية لوضع مصير العديد من المحافظات العراقية تحت هيمنة الجماعات الارهابية، أو ضمن أجندات تقودها شخصيات سياسية أو حزبية أو دينية وعشائرية تدعو للتقسيم أو لـ (الفدرلة) على أساس طائفي، وتسليح سكان هذه المحافظات بعيدا عن الحكومة الاتحادية، والتي تعني ضمنا التقسيم وفرض سياسة الأمر الواقع على الآخرين. وإذا كان الرئيس أوباما – كما يقول البيان الصادر عن مكتب رئيس الوزراء – يؤكد إن الادارة الاميركية تبدي احترامها الكامل لسيادة العراق ووحدة اراضيه، وأنه يُبدي استعداد بلاده لـمساعدة العراق في الازمة المالية، فإنه يحمل معه دعوة ناعمة لطمـأنة الجانب العراقي، والى دعوته الى التحالف الأميركي الأوروبي، بعيدا عن تأثيرات التحالفات الأخرى التي تحظى بقبول الشارع العراقي. وحتى رغبة أميركا بإرسال قوات أميركية تقوم بأعمال استشارية أو تنفيذ عمليات خاصة على غرار ما حدث في الحويجة، تضع الشارع العراقي أمام الكثير من الاسئلة حول جدوى هذه العمليات المحدودة وطبيتعها وسريتها، وخصوصية الجهات التي تنفذها، لا سيما وأن أميركا لا تفكر بالدخول في حرب برية واسعة في العراق، لكن اداءها – مع ذلك – يبقى رهانا على المصداقية التي تحتاجها اميركا لإثبات حُسن النوايا، وحُسن التدبر والحكمة.

