Pdf copy 1

ليونيد بيرشيدسكي 
كان الموضوع الرئيسي في العدد الأخير لمجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الهزلية التي – فقدت 11 من أفراد طاقمها جراء عملية إرهابية في يناير الماضي- هو أن طريقة الحياة الفرنسية ستتمكن من استيعاب الموجة الأخيرة من الإرهاب التي ضربت فرنسا، ولكن استجابات الأوروبيين للوضع الجديد المتمثل في وجود تهديدِ إرهابٍ دائم، والتكيف معه، بحيث يغدو عادياً، لن تكون، في رأيي، موحدة في درجة لامبالاتها بالخطر، ولا في رباطة جأشها. وهناك دلائل عديدة على ذلك: ففي يوم الإثنين الماضي أُلغيت مباراة كرة قدم بين ألمانيا وهولندا كان مقرراً أن تقام في «هانوفر»، وذلك بعد أن تلقت الشرطة بلاغاً بأن شخصاً ما يخطط لتفجير قنبلة في «الاستاد» الذي كانت المستشارة الألمانية وبعض وزرائها متجهين إليه لإثبات أن هجمات باريس لم تجعلهم خائفين.وكان هذا الحدث هو آخر مظهر من مظاهر تعطيل استمرار نمط الحياة الغربي في مساره المعتاد. وبلجيكا أيضاً ألغت مباراتها الودية مع إسبانيا التي كانت مقررة يوم الثلاثاء. وفي باريس ذاتها، كان من الطبيعي أن تلغي السلطات الحفلات، وعروض السينما، والفاعليات الرياضية بعد هجمات الجمعة الدامية مباشرة، كما جرى تحويل خط سير رحلتين كانتا متجهتين من لوس أنجلوس إلى باريس وتفتيشهما من قبل السلطات، بعد تهديدات وردت بالهاتف.
وفضلاً عن ذلك، ازدادت بلاغات العثور على أجسام مشبوهة في وسائل المواصلات العامة في العديد من الأماكن، وكثفت قوات الأمن من وجودها في شوارع جميع المدن الأوروبية الكبرى. وكثير من هذه الإجراءات، مؤقت بالطبع، ويأتي رداً مباشراً على الإرهاب الذي ضرب باريس، ومع أن هذا الإرهاب والإجراءات التي اتخذت بسببه لن يحولا دون عودة الحياة إلى طبيعتها في القريب العاجل، إلا أن علينا أن ندرك أيضاً أن «الوضع الطبيعي» الذي سيعود، لن يكون أبداً مثل الوضع الطبيعي الذي كان سائداً من قبل، وذلك بسبب الشعور الدائم بوجود خطر داهم. والعيش في هذا الجو يمثل عبئاً يمكن أن يكون ثقيلاً، أو خفيفاً، بحسب تجربة الناس الفعلية مع الإرهاب.
وباريس مدينة تعرضت مباشرة للإرهاب بعد أن عانت من هجومين كبيرين هذا العام، وليس هناك شك في أن سكانها -على رغم صلابتهم وإقبالهم على التمتع بمباهج الحياة- سيعانون بعض الظواهر التي تعانيها عادة المجتمعات التي تعيش في جو من التهديد الدائم بخطر الإرهاب، وسيعاني معهم -بالتبعية- بقية الأوروبيين.ولكن ذلك لا يعني أيضاً أنهم سيغيرون روتين حياتهم اليومي كثيراً، فالدراسات التي أجريت في لندن بعد عامين على وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، وبعد بداية حرب العراق مباشرة، أظهرت أن سكان العاصمة البريطانية كانوا يرون أن هناك احتمالات كبيرة لوقوع هجمات إرهابية في مدينتهم -وقد وصلت نسبة من تبنوا هذا الرأي في أحد الاستطلاعات إلى 66 في المئة من المستطلعة آراؤهم- ومع ذلك فإن نسبة قليلة جداً من هؤلاء هي التي كانت تتجنب التجمعات الكبيرة أو المواصلات العامة، كما تبين من الاستطلاع.
وليس معنى هذا أنه لن تكون هناك تغييرات في المعتقدات والسلوك الشخصي. ويرى مؤلفا نظرية إدارة الإرهاب، وهما «جيف جريبيرج» و«جامي أردت»، أن الناس عندما يواجَهون بما يذكرهم بأنهم بشر زائلون، كالإرهاب مثلًا، يصبحون أكثر انغماساً في حياتهم العائلية وأكثر ميلاً لتوطيد علاقاتهم الرومانسية. وتذكير الناس بأنهم فانون، يدفعهم أيضاً نحو الزعماء الكاريزميين والعقائدين، الذين يسوقون رؤية مبسطة لعظمة المجموعة البشرية والحاجة لتخليص العالم من مرتكبي الشرور، كما يقول مؤلفا النظرية.
ومن هنا، فإنه إذا ما استمر التهديد الإرهابي في أوروبا، فإن رد فعل الناس سيكون على الأرجح مماثلاً لرد فعل الأميركيين عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث سيلجؤون إلى التخلي عن قدر قليل من انفتاحهم المعتاد وسعيهم للتمتع بملاذ الحياة، ومقايضة ذلك بالشعور بالطمأنينة.
والحقيقة هي أن الآثار المترتبة على هجوم كبير كذلك الذي وقع في باريس لن تمحى بسرعة. ولذا فإن المجتمع الأوروبي، في اعتقادي، لن ينجو مما حدث من دون أن يتأثر به بشكل ملموس محسوس.

التعليقات معطلة