أندريس أوبنهايمر
إليكم هذا الخبر الذي يتعين أن يدق نواقيس الخطر في جميع أنحاء أميركا اللاتينية: يقول تقرير جديد للبنك الدولي إن الصين التي يحكمها الشيوعيون هي أكثر ترحيباً بالرأسماليين من البرازيل والأرجنتين وفنزويلا ودول أخرى عديدة في القارة. وفي الوقت الذي توقف فيه اقتصاد أميركا اللاتينية عن النمو وأصبحت المنطقة في أمس الحاجة إلى جذب استثمارات، أصدر البنك الدولي تقريراً ضخماً بعنوان «ممارسة الأعمال 2016» يوضح أن معظم حكومات أميركا الجنوبية تضع مزيداً من العقبات على بدء وتشغيل وإغلاق الشركات مقارنة بالصين، أو جارتها فيتنام التي يحكمها الشيوعيون أيضاً.
ويقيس التقرير أداء 189 دولة وفقاً لتيسير ممارسة الأعمال في كل منها، ترتيباً من الأفضل إلى الأسوأ، حيث جاءت الصين في المركز الـ84 وفيتنام في المركز الـ90، بينما جاءت البرازيل في المركز الـ116 والأرجنتين 121 ونيكاراجوا 125 وبوليفيا 157 وفنزويلا 186.
وكانت بعض الأمثلة التي وردت في التقرير مخيفة. فعندما يتعلق الأمر بالخطوات القانونية اللازمة لفتح شركة جديدة، على سبيل المثال، فإن الأمر يستغرق إجراء واحداً قانونياً في هونج كونج أو نيوزيلندا، وثلاثة في فرنسا، وستة في الولايات المتحدة، بينما يستغرق 11 إجراءً قانونياً في الصين و14 في الأرجنتين و15 في بوليفيا و17 في فنزويلا. وبالقياس وفقاً للفترة الزمنية، فإن الأمر يستغرق ساعة واحدة لاستكمال الاستمارات اللازمة لفتح شركة جديدة في نيوزيلندا، ويوماً واحداً في هونج كونج، وستة أيام في الولايات المتحدة، و31 يوماً في الصين، و35 يوماً في باراجواي، و50 في الإكوادور، و55 في بوليفيا، و83 في البرازيل، و144 يوماً في فنزويلا.
وليس من قبيل المصادفة أن العديد من بلدان أميركا اللاتينية تأتي من بين أكثر البلدان من حيث الفساد: وكلما زادت الإجراءات القانونية التي تحتاج إليها لبدء شركة، كلما زاد عدد المفتشين ومسؤولي الحكومة الذين تحتاج إلى رشوتهم من أجل تسريع إنجاز المستندات المطلوبة.
وليس من قبيل المصادفة أيضاً أن العديد من بلدان أميركا اللاتينية لديها اقتصاد ظل غير رسمي ضخم: وكلما زادت صعوبة البدء في مشروع بصورة قانونية، كلما احتجت إلى توظيف محامين ومحاسبين. ولهذا السبب فإن الملايين من الأشخاص يقررون العمل في الاقتصاد غير الرسمي الذي يمثل في دول كثيرة أكثر من 50% من الاقتصاد الكلي.
ويقول تقرير البنك الدولي إن إضفاء الطابع الرسمي له فوائد عديدة. فالشركات المسجلة رسمياً تميل لأن تكون أفضل، بينما يستفيد موظفوها من التأمين الاجتماعي وغيره من إجراءات الحماية القانونية الأخرى. كما تستطيع الحكومات تحصيل مزيد من الضرائب منها، بحسب ما ذكر التقرير.
ولحسن الحظ، فإن هناك استثناءات ملحوظة في أميركا اللاتينية: ففي تشيلي وأوروجواي وكولومبيا وبيرو والمكسيك، تم خفض الإجراءات القانونية اللازمة لبدء مشروع جديد إلى أقل من ثمانية إجراءات في السنوات الأخيرة.
ولكن، انظر إلى مثال آخر ورد في التقرير: متوسط عدد الأيام التي تستغرقها لتسوية نزاع في المحكمة حال حدوث أي خلاف مع شركائك في المشروع. ففي هونج كونج، يستغرق إنفاذ عقد نحو 360 يوماً في المتوسط، بينما يستغرق في باقي أنحاء الصين 453 يوماً وفي تشيلي 480 يوماً، وفي الأرجنتين 590، وفي بوليفيا وباراجواي 591، وفي فنزويلا 610، وفي أوروجواي 725، وفي البرازيل 731. إن هذا أمر عظيم للمحامين، وسيئ للجميع تقريباً.
وفيما يتعلق بالصعوبة في استيراد أو تصدير البضائع، فإن الصين تفوز مرة أخرى. ففي هونج كونج، يستغرق ملء الوثائق الخاصة باستيراد البضائع ساعة واحدة في المتوسط، بينما يستغرق نحو 66 ساعة في باقي أنحاء الصين، مقابل 72 ساعة في بيرو وأوروجواي، و96 ساعة في بوليفيا، و120 ساعة في الإكوادور، و146 ساعة في البرازيل، و336 ساعة في الأرجنتين، و1090 ساعة في فنزويلا، وفقاً لتقرير البنك الدولي.
وأرى شخصياً أن بيانات الروتين المرعبة في أميركا اللاتينية ربما لم تكن تهم بهذا القدر في العقد الماضي، عندما كانت دول أميركا الجنوبية تعج بالأموال بفضل الأسعار القياسية لصادراتها السلعية. بيد أن تلك الأيام قد ولّت.
والآن، يسجل الاقتصاد الكلي لدول أميركا اللاتينية نمواً بقيمة صفر، والمنطقة أصبحت في أمسّ الحاجة إلى استثمارات محلية وأجنبية. ولتحفيز ذلك ينبغي على هذه الدول الحد من إجراءاتها البيروقراطية بشكل كبير، وأن تكون على الأقل صديقة للأعمال مثلما هو الحال في الصين ذات الحكم الشيوعي.

