كمال الجزولي
الكلام حول جريمة داعش الذي تبناها في باريس والتي راح ضحيتها المئات بين قتيل وجريح اكبر من التحليلات السياسية والتنظيرات الأمنية واخطر من كونها حدثا إخباريا يخضع لمزاج وسائل الاعلام، فهذه الجريمة ترقى في ضخامة حدثها الستراتيجي المزلزل الى مستوى أحداث 11 سبتمبر2011، فكان من المنطقي ان تتخذ الولايات المتحدة ردود أفعال انتقامية ضد الإرهاب وتشن حربا لا هوادة فيها ضده بعدما مُرغت كرامتها في الوحل ومن المنطقي ايضا ان يكون ما بعد 11 سبتمبر مغايرا لما قبله وكان الحدث المروع فاصلة غير مرنة لعصرين وتاريخين وايضا لحالتين منفصلتين، ومن هذا المنطلق ينبغي اعتبار أحداث (الجمعة الدامية 13 /11 الماضية) في باريس حدثا يفصل بين تاريخين وحالتين ليس لفرنسا وحدها بل وللمجموعة الأوروبية وحلف الناتو الذي وافق على إعطاء دعمه العسكري لفرنسا وبحسب طلبها بموجب معاهدة لشبونة (انه في حالة الاعتداء المسلح على أية دولة عضو بالاتحاد الأوروبي فإن الدول الأخرى عليها الالتزام بالمساعدة والدعم بكل السُبل الممكنة لديها) لاستعادة هيبة فرنسا كدولة عظمى والعضو الدائم في مجلس الأمن والعضو الفعال في الناتو.أحداث باريس التي سبقتها بيوم واحد أحداث برج البراجنة معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت والتي راح ضحيتها العشرات تشي بأن تمدد وتغول الإخطبوط الداعشي عاد بمقدوره ان يضرب دولتين (وأكثر) في وقت متقارب وعلى ضفتي المتوسط، اي في قارتين فالعملية النوعية التي ضربت برج البراجنة قد سبقتها عمليات نوعية اخرى كانت كلها رسائل انتقامية وجهها داعش لحزب الله كرد على دوره في الحرب الاهلية السورية ومقارعته للتنظيمات التكفيرية التي عاثت في سوريا تخريبا وفسادا، وفي باريس قام داعش بعملية نوعية ايضا ولم يكتفِ بذلك بل هدد بتكرار عملياته النوعية الإرهابية ليس في فرنسا فحسب وانما بتهديد دول اخرى كالسويد،
فهذه العملية ليست حدثا إرهابيا عابرا بل تحتاج الى جهد ستراتيجي اممي مشترك عابر للمصالح والايديولوجيات ويضاهي ذلك الجهد الذي وقف بوجه النازية التي اعتبرها العالم آنذاك عدوا وخطرا مشتركا للسلم الدولي فتعاونت الكثير من القوى الدولية ضده متناسية توجهاتها الايديولوجية وتوسعاتها الحيوية لاسيما الولايات المتحدة الأميركية وغريمها الاتحاد السوفييتي آنذاك، وأدى هذا الجهد الاممي الى الإطاحة بالنازية وتغيير الكثير من معالم الخارطة الجيوستراتيجية للعالم الذي استراح من خطر النازية التي كلفت العالم اكثر من ستين مليون ضحية ولا يحتاج الأمر الى تفكير في معرفة الخطر الداعشي كتنظيم إرهابي يعتبر العالم بأسره مجالا حيويا لإجرامه بعد ان تمركز في العراق والشام من خلال «دولته» المزعومة التي ينطلق منها كمرتكز يستقطب الإرهابيين من جميع دول العالم لا سيما الذين هم من أصول شمال افريقية (وهم الذين يشكلون النسبة العظمى للجالية الإسلامية في فرنسا التي تضم اكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، والنسبة الكبرى من الخلايا النائمة والمتطرفة والمتأثرة بالفكر السلفي الظلامي المتوحش) او من اصول شيشانية او قوقازية التي تشكل العمود الفقري للإرهاب الذي يهدد الامن القومي الروسي.
داعش الممتد خطره على اهم المفاصل الجيبولوتيكية في العالم اصبح ينتقي اهدافه بسهولة ويحددها مكانيا وزمانيا وينفذ ضرباته باحتراف عال يكشف عن مستوى الدعم اللوجستي والمخابراتي والمادي فضلا عن الخبرات التي تقدمها الدول الراعية والحاضنة والممولة له، لذا يتحتم على المجتمع الدولي اضافة الى الجهد العسكري والامني المشترك في مقارعة داعش ان يوحد جهوده لتجفيف ليس فقط المنابع التي تمول الإرهاب ماديا ولوجستيا بل وفكريا وعقائديا بتجفيف منابع الفتاوى والميديا التي تحرض على الكراهية والتكفير والأعمال الوحشية وعلى المجتمع الدولي ايضا ان يترك المحاباة والمجاملات الرخيصة وان يضع اليد على منابع التمويل الذي ساعد داعش على ان يتحول الى وحش «اسطوري» خارق ومرعب، وان يحاسب تلك الدول المارقة والمعروف نشاطها للجميع حسابا امميا وضمن الفصل السابع باعتبار ان تلك الدول تشن حربا ضد السلم الدولي. المرونة التكتيكية والتمكن الستراتيجي جعل داعش يستهدف دولتين في الوقت عينه ولهدفين مختلفين وان بديا متشابهين يجمعهما مناوأة داعش والانتقام، ضربَ داعش دولة صغيرة كلبنان للانتقام من حزب الله وفي الوقت نفسه ضربَ دولة عظمى كفرنسا التي اتخذت قرارها المسؤول في مقارعة داعش، وهي عضو في التحالف الدولي لضرب تنظيم داعش في العراق ومؤخرا في سوريا، فجاءت الضربات الإرهابية انتقاما لموقف فرنسا هذا ولإعطاء درس موجع لبقية دول التحالف الذي تقوده اميركا. وبحسب البيان الاخير لداعش الذي توعَّد فيه فرنسا (وهو رسالة الى دول اخرى وعلى رأسها الولايات المتحدة) بعقاب قاس كرد فعل على العمليات العسكرية التي يقوم بها التحالف ضد داعش على مواقع التنظيم في العراق وسوريا ويجب اخذ البيان على محمل الجد كونه ينبئ ان القادم سيكون اكثر دموية للجميع، ولهذا فان الرئيس الفرنسي هولاند اختزل المشهد الفرنسي الدامي بقوله: (فرنسا تواجه حربا حقيقية يجب ان تُواجه بحرب مقابلة، لا تخوضها فرنسا وحدها، بل البشرية جمعاء) وللعلم ان فرنسا هي من اوائل الدول التي انضمت بعد 2014 الى الولايات المتحدة في مجال مقارعة الإرهاب ولها دور فاعل في هذا المجال.
اقول: العالم كله يدفع باهظا ثمن التراخي واللامبالاة والتباطؤ والأجندات الضبابية للدول العظمى تجاه التمدد الداعشي الذي فاق خطره خطر النازية والذي اصبح العالم كله بنظره مجالا حيويا مفتوحا ليمارس نشاطاته الإجرامية كما دفعت فرنسا ثمن خطيئتها وتخبطها في سوريا كونها تشبثت بمشروع إسقاط الاسد وتركت الحبل على الغرب للتنظيمات الإرهابية كجبهة النصرة وغيرها، ودعمت ما يسمى بالمعارضة التي ثبت انها مجرد تنظيمات إرهابية لا تزال تغذي الخلايا النائمة بالإرهابيين الذين ضربوا باريس (وقبلها في مدريد ولندن وأنقرة والحبل على الجرار). فرنسا كررت خطأ الولايات المتحدة التاريخي في أفغانستان بصناعة وحش القاعدة وتحت غطاء محاربة السوفييت «الكفار» وبالتواطؤ مع الوهابية السعودية والمخابرات الباكستانية التي تشكل قبائل البشتون السلفية المتشددة عماد عناصرها فارتد خطر القاعدة اليها، وتحت غطاء إسقاط ديكتاتورية بشار الاسد مولت فرنسا التنظيمات الإرهابية التي ارتد إرهابها على قلب باريس وهو ما حصل.
وانا شخصيا لا اميل الى توصيف داعش بالعصابات الهائجة العابرة للحدود او هم مجرد «هواة» حسب رأي الرئيس اوباما، او قطعان مسعورة لا تقاوم شهيتها المفتوحة للقتل والتدمير وانما هو تنظيم حقيقي متسرطن ومحترف وله أجندات بعيدة المدى وممول تمويلا واسعا وبسخاء من دول ذات اقتصاديات ضخمة وله ماكنة إعلامية وفتوائية هائلة تستطيع ان تغسل بها أدمغة الكثير من الشباب وتكسبهم الى صفوفه وتجنيدهم وله ايضا ماكنة عسكرية مخابراتية مفتوحة على الآخر. داعش ورم سرطاني لا يُجتث الا بتضافر المجتمع الدولي بأسره، وان عولمة الحرب على الإرهاب هي الرد الحقيقي والمعادل الموضوعي لعولمة الإرهاب نفسه.

