حسن جوان
عندما اندلعت مهزلة الربيع العربي, كانت مثار استغراب عالمي لا عربي فحسب، فمسار الاحداث وتصاعد وتائرها آنذاك لم يكن ينتمي الى السياق المعروف عربيا, ولا هو قريب من الطبيعة الشخصية للفرد العربي المقموع الذي بلغ به اليأس والطمع معا, الى التماس الاعذار حتى لقاتليه, من المحيط الى الخليج. هذا باستثناء الحس الديمقراطي, المفرط في ديمقراطيته هذه المرة, الذي اتسم به تخلي رؤساء سلطات دكتاتورية قمعية بامتياز..كانت لا تتمسك بالسلطة الجمهورية العائلية فقط, بل ايضا كانت تهم بتوريثها بعد عقود من الحكم المرعب, لأن نخبة الله في خلقه, هي مجتباة لمصلحة العباد ومصير البلاد ولأن دماءهم الجمهورية النقية هي ما سيحفظ لا بيضة القبان فقط, بل كل البيوض والريش القادم ايضا.
وبثت وقتذاك وسائل الاعلام لقطات حية لاحتفالات – وهذا يذكر باحتفالات استقبال المهاجرين الى المانيا وغيرها هذه الايام – ومظاهر فرح للشعوب المنتفضة تملأ الميادين والاحياء ليل نهار. لكن تلك الفرحات العربية التي اعتدنا انها لا تدوم ابدا.. كشفت عن زوال الانظمة المتعفنة عقودا, لصالح ترتيب «بخاري» لطبخة اكثر عفونة, متمثلة بالارهاب الاخواني والداعشي وغيرهما, ولكن عبر صناديق اقتراع مجهزة لهذه التمثيلية الاممية، مما افرز بشكل صادم فوز الاحزاب الاسلامية السياسية المصنفة في قوائم ارهاب او عنف او تطرف خارج السياقات التاريخية لمجتمعاتها. على ان ابرز تلك الحركات والتنظيمات الاسلامية المرقدة والمدفأة من قبل حواضن معروفة, تتخذ من كلمة الجهاد بؤرة مركزية لانشطتها الدينية والدنيوية، وترفع شعارات صارخة من اجل الارض «المقدسة» الفلسطينية المستلبة والجنة المفتوحة لشهداء تحرير اولى القبلتين من براثن الاحتلال الاسرائيلي. لكن لا احد منها يعلن ساعة الصفر للبدء بتطبيق ذلك الشعار، فاللعبة تكمن في استثمار الشعارات لا تطبيقها، وقد لا تأتي تلك الساعة مطلقا لأن الفتاوى الاسلامية في اكثر من ستين دولة تخضع لمراكز غرف عمليات مغايرة.
ومما يلاحظ ان كل الذين يحرصون – اعلاميا وايديولوجيا – على ادامة وابقاء منتجات المطبخ الفلسطيني ساخنة بشكل يومي هم اكثر المستفيدين من الحقن الارهابية الموجهة بكل اتجاه في العالم باستثناء الاتجاه المؤدي الى فلسطين «المحتلة» نفسها، بل وصل الامر الى ان الاخيرة صارت تصدر الانتحاريين الى بلدان الجوار «العربي المسلم» وتترك قضيتها لأسباب لا تعلمها إلا الحوريات المنتظرات على ابواب الجنة.
ربيع الاسلام السياسي العربي والشيشاني على حد سواء, وربيع اليمين الاوروبي القادم – الذي بدأت بوادر صعوده جلية بعد موجات الهجرة الاخيرة وتنامي الارهاب في قلب اوروبا – تحيل بذات المرارة السوداء الى ذلك الاهوج الذي درب جيوشا وجيوشا لتحرير القدس.. لكنه, وبعد حرب الثمان سنوات ضد ايران, اضاع بوصلة الجهات – والجهاد ايضا – مرة اخرى, فصرخ على اعتاب الكويت: مهلا..انها ليست اورشليم.. لكن الطريق الى القدس لا بد ان يمر من هنا!.

