– صدر مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع رواية مياه متصحرة للكاتب حازم كمال الدين وقد جاءت في 200 صفحة من القطع المتوسط.
حين تقرأ حازم كمال الدين عليك أن تستدعي كل شخصياتك التي بعثرتها قبلاً حتى لا تجد نفسك غير قادر على العودة من داخل النص، نعم فحازم كمال الدين الروائي والمسرحي المتميز ليس حريصاً على عودتك إليك من عوالمه كما دخلتها، بل ربما جعلك تستلذ ذلك الجنون المنثور على طول صفحات روايته، خاصة وأنت تفكر كيف يكتب كاتب عن جثته المتنازع عليها من قبل الطوائف، بشكل يدفعك للاقتناع بأنه يكتب عنه هو بالذات ، عن حازم كمال الدين الذي تعرف، هي رواية ستدخلك إلى عوالم مجنونة في واقعيتها وفانتازياها لا يمكن أن يرسمها إلا حازم كمال الدين ولا يستطيع جعلك تؤمن بكونها واقعاً سواه، إلى الحد الذي يغافلك فيه ويجعلك تؤمن بعقلانية الجنون.
ما هذه الرواية؟
إنها رواية عابرة للطوائف تسائل اندحار العلمانية وتضعنا في تساؤل: هل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية أو جزء من مسؤولية نكوص الشعوب وانتشار سرطان الطائفية الذي يبدو حتى الآن مستعص على الشفاء؟ هل تتحمل القوى العلمانية مسؤولية هزيمتها الذاتية المروعة واندحارها؟
بهذا المعنى تسلّط الرواية نقدا ساخرا لضمور القوى العلمانية التي التحق بعضها بالتركيبات الاجتماعية الجديدة في الوقت الذي تؤرخ فيه لعمليات تفكيك البنى الاجتماعية القديمة وإعادة تركيبها وفقا لما هو قابع في عتمة التاريخ.القصة:حازم كمال الدين، بطل الرواية، علماني يساري وجد نفسه في عالم تتصاعد فيه قوى أصولية ظهرت من دياجير الطوائف بعد أن بعثتها سلسلة عمليات أهمها احتلال العراق.
حازم كمال الدين يُقتل.
لا أحد يعرف حقيقة مقتله. البعض يقول غيلة على أيدي قوى الإرهاب والبعض يقول إنه راح ضحية قصف عشوائي على سوق شعبي أقدمت عليه قوى الاحتلال أو أدواته.
حازم كمال الدين سينمائي شهير جدا ومنسي “جدا” في ذات الوقت! هو شهير لحصوله على أرفع وسام إبان حكم صدام حسين عن فيلم اسمه “مياه متصحّرة”. فيلم كان يريد معارضة النظام غير أنّ الرقابة قامت بتقطيعه وحذف مشاهد منه وأعادت تركيبه ليؤدي عكس الهدف الذي أراده السينمائي. وحازم كمال الدين منسي بسبب حصوله على ذلك الوسام أيضا. فعلى الرغم من معرفة الوسط الفني بحقيقة تحوير الفيلم إلى عكس ما كان يريده إلا أنّ الجميع يخشى فتح ملفات الماضي. فقد أعاد الاحتلال تأهيل رقابة العهد السابق ومنحها السطوة والقوة في العهد الحالي.
حين كان القتيل على قيد الحياة لم يكن يتذكره سوى حفنة من الأصدقاء. إلاّ أنّ موته أعاده للحياة! هكذا هو الحال في بلاد الرافدين؛ يظلّ الإنسان نسيا منسيا حتى يموت، ليصبح فجأة أسطورة تتغلغل في الذاكرات الجماعية التي تسعى لتعويض ضآلتها بأسطرة تواريخ الموتى.
الاختلاف على مكان دفن القتيل يخلق تجاذبات عائلية لا تتوقف حتى وهم يرون الجثة تتعفن وهي لمّا تُدفن بعد. فعلى الرغم من علمانية ويسارية أبواه إلا أن كلا منهما يصرّ على دفنه في المقبرة العائدة لطائفته؛ مقبرة الأعظمية أو مقبرة النجف، حتى ليبدو وكأنّ الأبوين العلمانيين أصيبا بدورهما بلوثة الطائفية. الأب من أصول شيعية والأم من أصول سنية. هكذا تتمزق جثة حازم كمال الدين، بعد تعفّن، لتدفن في شتى المقابر (الواقعية وغير الواقعية).
ولأنه يدفن في أماكن عدة فإن كل مكان يصنع من مقتله وتاريخه الشخصي أسطورة تناسبه. حازم كمال الدين ينظر أو يراقب ما يحدث دون أحاسيس ميلودرامية. إنه يعايش فقط ذاكرة غير مترابطة تقوده لمغادرة الحياة في رحيل إلى عدم مُعبّد بحكايات شعبية وميثولوجية وواقعية. رحيل يسمى علميا تجربة المشارفة على الموت، حيث يجد نفسه في نفق حلزوني تنهشه فجوة هناك هنا وتسجنه فجوة هناك. بيد أن الكاتب لا يقترب من حقائق التجارب العلمية المعروفة إلا لكي يمنحها أبعادا خلّاقة.
فالكاتب يرسم حلزونا متخيّلا لا تظهر فيه صور الماضي الشخصي فقط، بل تظهر فيه أيضا أحداث المستقبل والحاضر.في الطريق إلى العدم يرى القتيل المستقبل ويستشرف ما سيحدث في صورتين أصل الأولى في الماضي الذي يحضر وكأنه مستقبل والثانية في مستقبل متخيَّل، حتى لتبدو صورة الماضي وكأنها أسطوانة مكرورة مشروخة هنا، وتأويل للماضي بصيغة المستقبل هناك، وبؤرة توليدية جوانية في موقع ثالث.وفي الطريق إلى العدم يرى القتيل ما حدث في الماضي بصيغ متنوعة منها ما هو ميثولوجي ومنها ما هو واقعي فقد بريق الواقع.
رواية ما بعد حداثية:
الرواية مزيج من تقنيات انصهرت في بوتقة سردية واحدة: تقنيات الدراماتورغيا المسرحية، والسيناريو السينمائي، وفن القص الشفاهي العربي، وتقنية الكلاسور التشكيلية التي ابتكرها الفنان الفلاماني الهولندي يان فان آيك Jan Van Eyck في القرن الخامس عشر. أنّها “نموذج لأطروحات ما بعد الحداثة واختلاط الأنواع الأدبية وتمازجها لإنجاز بنية النص وهيئته ودلالاته.” بحسب الناقد د. حاتم الصكر.
يعتمد معمار الرواية على ثلاثة أصوات أولهما للسينمائي المحلق داخل الحلزون أو النفق، وثانيهما صوته الذي يرى المستقبل بعد موته وثالثهما صوت جدّه البالغ من العمر نفس سنّه(!).
صوت السينمائي المحلق داخل الحلزون سرد فاعل (زمن قراءة المتلقي للرواية)، وصوت السينمائي في الفجوات المنبثقة داخل الحلزون سرد إخباري (زمن المستقبل مفرداته الماضي والمستقبل)، وصوت جدّه سرد إخباري (زمن الماضي).
إنّ “أية قراءة بلا مرافقة لخيال الكاتب وإيقاع عمله والفانتازيا التي يصورها لن تنتج شيئا. القارئ هنا مساهم في العروض والعذابات وحفلات الموت والضغينة الأسرية والوطنية. وطن يتحول كل شيء فيه إلى رماد يوازي مصير مُخرِج مياه متصحرة وكاتبها وربما قارئها أيضا.” هكذا يكتب الناقد د. حاتم الصكر ويضيف أن “الفانتازيا ركيزة العمل ولكنها تتسع لترينا مشاهد من واقع أغرب من الخيال.”

