علي شايع
«لو كان الفقر رجلاً لقتلته».. كلمة تبدو قاسية في دلالتها الأولى، لكن قائلها أراد لها هذا الصدى الموازي للنفير العام، فالإمام علي بن أبي طالب (ع) كان يدرك بحق ذلك التحدي الأكبر الذي يفرضه الفقر، وقد نطق تلك المقولة الشهيرة باصرار استثنائي حازم، وبالأخص الواجب وفق مسؤوليته عن حال مجموعة من الناس، يبصر حاجتهم ويرى فعل الفقر في أحوالهم، حتى يعلن وباهتمام، سعيه بالسلاح الى أقصى ما يستطيع، رغم كل ما يحمله من سلام ووداعة لا تضاهى، فيصبح عزمه على الفعل الحربي بمواجهة الفقر ملهماً أزلياً لمجابهة الفاقة والحرمان، وها هو يلهم رجلاً عاصره وكان يحمل نفحة الهم ذاتها حد أن وصف بمحامي الفقراء، وهو لقب لم يكن عابراً، بل استحقه ذلك الرجل النبيل (ابو ذر الغفاري) الثائر بجدارة المعايشة والادراك يوم قال :»عجبت لمن جاع ولم يشهر سيفه»، ضمن صرخة متواصلة وموقف سابق.
لعلّ في ادراج تلك المقدمة ضمن سياق سياسي هنا فائدة، حيث تطالعنا الأخبار بارتفاع نسبة الفقر حسب ما أعلنته وزارة التخطيط ضمن تقرير نشرته في شهر أيلول، بيّن وبشكل محزن ارتفاع هذه النسبة الى 22.5 بالمئة عن معدلات سابقة. وبالطبع الحديث يدور عن نسب واحصاءات في المناطق المستقرة، أما الاماكن التي تعاني من سطوة الإرهاب فلها شجون أخرى، فبحسب التقرير سجلت المناطق المحتلة من عصابات «داعش» الإرهابية نسبة تعادل 41 بالمئة.
نسب وأرقام فجائعية تعكس صورة لأسوأ ما يمكن أن يشكل عرقلة في تقدم الحياة، فالمقياس الإنساني الأول ضمن الشروط والاعتبارات المعتمدة في التعامل الحضاري يبدأ من معرفة أهمية معركة مواجهة الجوع كإرهاب أو كمسبب له بوجه أو آخر.
وزارة التخطيط وبالتعاون مع البنك الدولي أجرت قبل أيام مسحاً تجريبياً لـ 200 اسرة في مدينة بغداد، لرصد الفقر في العراق!، من خلال اعتماد استمارة الكترونية، وتنفيذ المسوح بطرق حديثة ولأول مرة في البلاد.
التجربة تستحق التوقف عندها ومناقشة بعض حيثياتها، لأن المسح الذي تم يعدّ مقدمة لخطوات مستقبلية قادمة لم يعلن عن وقت الشروع بتنفيذها، فالناطق باسم الوزارة أكد أن هذا المسح التجريبي سيدرس بعناية ما سيصادف من اشكالات قد تعترض الفعالية بمجملها لأجل تلافيها اثناء مسح وطني شامل.بالتأكيد سيكون للمسح الالكتروني ضرورة لمعرفة اعداد الفقراء عن طريق مؤسسات وجهات دولية مساعدة، لكن تلك الاحصاءات ثمة ما يعتبر أصدق منها وأوضح، فها هي مدينة السماوة تعلن مظلوميتها في موازنة عام 2016، لعدم اعتمادها «المحرومية بتوزيع حصص المحافظات»، حيث بيّن مسؤولون بالمحافظة أن نسبة الفقر تبلغ 50 بالمئة وبارتفاع متزايد. الاحصاء الدقيق والمسح المرتقب سيجعل القضية في حساباتها الدقيقة، في المتداول الاداري لتطبيق خطط مكافحة الفقر. وسيكون من مكرّر الكلام أي سؤال يبحث في قضايا تم مناقشتها في سالف السنوات.
لا بأس بتكرار سؤال من كتابة نشرت على هذه الصفحات الغراء قبل 4 سنوات: أين ما أدعته وزارة التخطيط سابقاً من برمجة كفيلة بالقضاء التام على مستويات الفقر بخطة خمسية؟. وهل البلد – إدارياً – يستطع بناء النموذج الساعي للتطبيق والتغيير مروراً بالاكتفاء ووصولاً الى الرفاهية المرجوة؟. أليس الواقع أسوأ بكثير؟..ومتى يثمر الجهد الاداري الشامل لتعزيز الخطط والجهود وإبعاد شبح الفقر عن الناس، وعاره عن الدولة؟.

