عبود الجابري
كلُّ شيء في الحياة يزعم أن الشعر يزر أوزاره، الفنون جميعها، السرد بأنواعه، الكتابة المسرحية وحتى التشكيل، إذا استثنينا القارئ المختلف عليه من قبل الشعراء في ما يتعلق بتلقيه للشعر مقارنة بالفنون الأخرى، وفي الوقت ذاته نرى أن الشعر يعاني من الشعراء مثلما هو العالم، العالم الذي يحتفي بالشعر والشعراء حين يريد مغازلة حبيباته ويحتفي بهم أيضا حين يريد استئجار قرائحهم وشراء ذممهم، وحين يريد تصنيفهم إلى شعراء العمود، شعراء التفعيلة وشعراء قصيدة النثر، وهؤلاء يحتفى بهم كذلك من خلال الوقيعة بينهم وإذكاء الشتائم والتصنيفات مثلما يكون الأمر سهلا في أن تقول إنّ هذا شاعر وذلك ليس بشاعر.
كما يحمل الماء في إناء مسطّح تأتي رؤية العالم للشعر، فثمة الأديان التي تتقمص بلاغته في الكتب السماوية لكنها تستكثر على الشاعر الاقتراب من قواميسها وأسماء آلهتها وأماكنها، فالشعر في هذه الحالة يخدش جلد التّقى ويفتضّ عذرية الصمت إزاء البيان الذي تلوذ به تلك الكتب، والشاعر هنا ليس سوى جواب آفاق دجال لا يقول الحقيقة -يقول ما لا يفعل- وهو في هذه الحالة يتخلى عن هذه الوصمة طامعا في سمو ليس من حقه التمثل به، كلما عليه فعله هو أن يجترح العوالم التي تبدو صالحة للذم من وجهة نظر دينية ما دامت تلك هي صفات الشاعر، وثمة الفلسفة التي ترى في ذاتها ما هو أكثر رفعة من الشعر وأن الشعر تقتصر وظيفته على تعليم الجمهور وإذكاء خياله وإمتاعه وذلك ما قامت به بعض أنماط الشعر استجابة لمتطلبات التلقي وأسباب المعيشة، وقد وجد العالم في أفلاطون ملاذا بليغا لشتم الشعراء في أن “الشعر دجل كالتصوير، إذا نزع عنه سحر اللفظ بدا شاحبا فقيرا يستطيب وصف العواطف، ويعتبر متقلبا، ولا يجد له موضوعا في العقل الثابت الهادئ، فيهيّج العواطف ويشل العقل، مثله مثل الطاغية الذي يقلد السلطة للأشرار ويضطهد الأخيار”، مثلما وجدوا في عبارة هيراقليطس ملاذا أكثر سعة من خلال مقولته: إنّ الشعراء يكذبون كثيرا وغير صادقين في مشاعرهم.
غير ملتفتين إلى استدراك هايدغر الذي حمّل الشعر والفلسفة مسؤولية القول الفصل في حقيقة الوجود، وهناك محنة الانتساب للمهنة، فالشاعر لا يمكنه الاعتياش من مهنته حتى أنّه لا يستطيع أن يصرح للآخرين أنه يعمل شاعرا منذ تحدثت العرب عمن أدركتهم حرفة الأدب، وذلك يضعه أمام سيوف كثيرة جميعها تتربص بعنقه أولها: أن يكون له عمل يضمن قوته وقوت عياله وهو أمر يأكل من الشاعر ما يتمنى من الوقت والتفرغ لمشروعه الذي يمكن أن يضمن له ولو خلودا شحيحا في الذاكرة.
وثانيها: أن يتنازل عن الحياة لصالح الشعر وقد كان لهذا النمط من الشعراء نصيب أكبر من التآكل سواء على المستوى السلوكي أم على مستوى ذبول عافيتهم وركونهم إلى العزلة والكآبة التي التهمتهم بشكل عارم.
السيف الثالث الأكثر ضراوة هو أن يتكسب بشعره وذلك أمر لا يتقنه إلا من يختار هذا السبيل غير آبه بفن الشعر أو لون الكرامة التي سيحدث به من ينصتون إليه بآذانهم ويشتمونه في ضمائرهم، ومن هنا برزت الإشكالية الأزلية في علاقة المثقف بالسلطة؛ السلطة التي تريده لسانا لها، وحين يتخشب لسانه يجوع لأنّه لم يستطع أن يغني إلى الأبد بما يطرب السلطان ولم يؤثر الصمت الذي فيه خلاصه.

