أميرة القحطاني
قد تكون هذه أصعب مقالة أكتبها في حياتي، فقد توفي والد الشاعر المحكوم بالإعدام في المملكة العربية السعودية أشرف فياض منذ أيام إثر إصابته بجلطة، وذلك بعد سماعه نطق الحكم الذي جاء بكل سهولة ويسر، وكأن قتل إنسان أمر لا يهم، وكأن هذا الإنسان ليست لديه حياة، وليس لديه ماض أو مستقبل، وكأن هذا الإنسان ليست لديه عائلة، وليس لديه أب وأم أو أهل قد تنفطر قلوبهم جزعا، أو كأن الموت أمر سهل يستطيع الإنسان تقبله.
كيف خلقكم الله بهذه القسوة وبهذا الجبروت؟ من أي مدرسة تخرجت وفي أي جامعة درست الشرع أيها القاضي، الذي: “اثنان منك في النار وواحد في الجنة.
لقد مات رجل حزنا وخوفا على ابنه الذي حكمت عليه بالإعدام ظلما وكيدا، من هيئة فاسدة أو صديق حاقد، أو من غل في قلبك. أيا كانت الأسباب فقد قتلت أشرف فياض مرتين، مرة بالحكم عليه بالموت ظلما، ومرة حين قتلت والده، الذي عاش غريبا لاجئا في بلدك ومات مغبونا مقهورا فيه”.أخي فياض.
أعتذر لك بالنيابة عن السلطة الفلسطينية، هذه السلطة التي تمتلئ بمن يميلون لإسرائيل أكثر من ميلهم لأرض فلسطين. هذه السلطة التي لم تسأل عنك، ولن تسأل، لأنك مواطن فلسطيني، والمواطن الفلسطيني لا يساوي شيئا لدى هذه السلطة أو غيرها من الأحزاب أو الجهات الرسمية أو غير الرسمية الفلسطينية.
أعتذر لك بالنيابة عن الوطن العربي، الذي لا يعلم عنك شيئا ولا يهمه أمرك. فكل يغني على ليلاه، ومشردون هنا وهناك، البعض فرّ من وطنه خوفا، والبعض فرّ فقرا، حتى ملأنا العالم. أعتذر لك بالنيابة عن الخليجيين، فقضية شاعر أو فنان لا تعني لهم شيئا، وإن علموا فلن يفعلوا من أجلك شيئا.
وقد يصدقون بأنك ملحد تستحق القتل بكل سهولة، إلا القليل منهم. ولكن سأتوقف عند البلد الذي عشت فيه والذي تعتبره أنت بلدك، هذا البلد مليء بالمثقفين والكتاب والفنانين، ومتقدم ثقافيا على معظم دول الخليج، ومن الطبيعي أنه حين يحاكم فيه شاعر ويسجن من أجل قصيدة، أن يهب المثقفون جميعهم للدفاع عن حق هذا الشاعر أو الكاتب في التعبير، خصوصا وأن هذا الشاعر لم يهاجم الحكومة أو الحكام، فممّ كان هؤلاء الكتاب والفنانون يخافون لكي لا يتحركوا؟ أغلبهم كانوا جبناء لم يتحركوا ولو بتغريدة في تويتر أو مقالة في صحيفة مطبوعة أو حتى إلكترونية دفاعا عن رجل سجن ظلما.
ألا يعنيهم الأمر؟ إذن فليكسر الكتاب أقلامهم التي لا قيمة لها إن لم تدافع عن المضطهدين، وأعتقد أن أشرف فياض مضطهد لكونه لاجئا فلسطينيا لا حكومة تحميه ولا قبيلة تفديه.
من العيب فعلا أن يكون هناك ضيف أخرجته إسرائيل من بلده فلسطين ويعيش في هذا البلد، ويسجن ويحكم عليه بالإعدام ويموت والده والجميع صامتون، أعلم أن هناك بعض الكتاب بدأوا يكتبون عن الأمر، ولكن أظنهم متأخرين، فقط يكتبون لأن صمتهم أصبح فضيحة وعارا، وحفاظا على ماء وجوههم فقط. رغم أنني كنت كتبت رسائل في بدايات سجنه لبعض الكتاب المشهورين، وأحدهم كان محاميا، كتبت رسائل استجداء ليسلطوا الضوء على قضية فياض لكنهم تجاهلوني وكأنني لا شيء.
أخي أشرف أعتذر لك عن هذا الحكم الجائر، فأنت في بلد لا يمس القضاء فيه “المطاوعة”. فهناك مطوع عذب طفلته حتى الموت، وخرج براءة، وهناك مطوع ارتشى ونهب الملايين، ثم قال الجني الذي بداخلي أمرني بذلك، فطلب له القاضي من يرقيه بالرقية الشرعية ليخرج الجني الحرامي من داخله، وهناك مطوع يسرق الكتب وينسبها إلى نفسه لم يدخل السجن ولن يدخله أبدا، ويعامل كداعية مبجل، وكم من نفس قتلتها الهيئة وكم ستقتل مستقبلا؟
أخي أشرف هؤلاء القضاة سيكونون فخورين بقتلك لأنك مثقف، شاعر وفنان تتعارض أفكارك مع أفكارهم، هم من عالم الوهم، وأنت من عالم الإبداع. لقد حاولت أخي أن أمدّ لك يد العون ومن معي من الشرفاء الذين لا أعرف منهم سوى الشاعر محمد خضر وسأستمرّ في محاولاتي. وكل ما أملكه هو إيماني بحق الإنسان في العيش بسلام وحرية وكرامة بعيدا عن الظلم. أعتذر لك فعلا عن هذه الجريمة التي ارتكبت بحقك وحق عائلتك وأنت ضيف علينا، وكان من الأجدر أن نحميك ونحافظ على حقوقك لا أن نكون أقسى عليك من الصهاينة الذين سلبوك أرضك، لنأتي نحن من بعدهم ونسلبك حريتك وكرامتك وحياتك… عشت حرا.

