حازم مبيضين
شهدت نهاية الأسبوع الماضي انعقاد ثلاثة مؤتمرات للمعارضة السورية، عُقد أهمها في الرياض برعاية سعودية، والثاني في الحسكة برعاية حزب العمال الكردستاني، والثالث في دمشق تحت أنظار الدولة السورية. في الرياض اتفق المجتمعون في الرياض على تشكيل هيئة عليا للمفاوضات، ما يشي بعدم القدرة على تشكيل الوفد المفاوض، لكنهم اشترطوا ترك بشار الأسد سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية، وحل الكيانات السياسية المعارضة حال تكوين مؤسسات الحكم الجديد، وفي حين انسحبت حركة أحرار الشام الإسلامية من المؤتمر احتجاجاً على حجم تمثيلها، فإن المجتمعين أعربوا عن إيمانهم بمدنية الدولة، ووحدة الأراضي على أساس اللامركزية الإدارية، وأكدوا على الديمقراطية من خلال نظام تعددي يمثل جميع أطياف الشعب، وعدم الإقصاء على أساس ديني أو طائفي أو عرقي، ويركز على مبادئ احترام حقوق الإنسان والمساءلة والمحاسبة وسيادة القانون، وأن هدف التسوية السياسية، هو تأسيس نظام سياسي دون أن يكون للأسد ومؤيديه مكان فيه.
أما مؤتمر شيراتون دمشق الذي ضم حوالي 17 تياراً وحزباً، وتميز بالفوضى والمشاجرات بين الحاضرين، فقد اعتبره كثيرون مجرد تظاهرة إعلامية لن تقدم ولن تؤخر، ورغم قناعة منظميه بأنه مؤتمر المعارضة الحقيقي، فإنه لا أحد في النظام أو رعاة التفاوض يتعامل بجدية معه، وبالتزامن شهدت الحسكة ورداً على عدم دعوة الكرد إلى الرياض، انعقاد مؤتمر سوريا الديمقراطية، بهدف بلورة رؤية سياسية، وتشكيل جسم سياسي قادر على تمثيل الشعب السوري بجميع مكوناته، فيما رأى البعض أنه يشكل تكاملاً مع ما سيحدث في العاصمة السعودية، والذي سيكون من أهم إفرازاته المحاصصة الطائفية والعرقية، خصوصاً وهو يسعى لإنتاج هيئة سياسية على شكل حكومة فيدرالية للأراضي التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي، ويعتبرها جزءاً من أرض كردستان. في أول رد من دمشق أكد الرئيس السوري رفض التعامل مع المجموعات المسلّحة ككيانات سياسية، مُعتبراً أن الخطوة الأولى للقضاء على التنظيمات الإرهابية في سوريا، تكمن في وقف تدفّق الإرهابيين من تركيا والأموال من السعودية، ورأى أن واشنطن وفّرت الغطاء السياسي للإرهاب وهي غير جادة في محاربته، وأكد استعداده للشروع في المفاوضات مع المعارضة، عندما تكون مستعدة لتغيير منهجها والتخلّي عن سلاحها، وأنه يُمكن إشراك تركيا في ايجاد حل للأزمة في سوريا حال تخلّي أردوغان عن موقفه بدعم الإرهابيين، ورفض الأسد مُجدداً فكرة مغادرته سوريا كشرط للتوصّل إلى تسوية سياسية نهائية، معتمداً على التأييد الشعبي لقيادته.
ثمة اختلافات جذرية بين مخرجات الرياض والحسكة تتعلق بشكل الدولة السورية المأمول، فالمؤتمرون في الرياض يؤكدون تمسكهم بوحدة الأراضي السورية، وضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وأن حل الأزمة السورية سياسي بالدرجة الأولى، استناداً لقرارات مؤتمر جنيف، والقرارات الدولية كمرجعية للتفاوض، وبرعاية وضمان الأمم المتحدة، أما مؤتمر الحسكة فقد دعا لإيقاف الحرب وأبدى استعداده للتفاوض لتحقيق هدف الوصول إلى نظام سياسي تعددي لامركزي، من دون أن يحدد شكل هذه اللامركزية، مع تأكيد مطلب الكرد بأن تكون سوريا اتحادية تعجلت السعودية بعقد مؤتمر المعارضة السورية دون التفات إلى أهداف المدعوين المتناقضة وارتباطاتهم الخارجية المستندة إلى ولاءات سياسية ومالية وإيديولوجية، فقد كان المهم عندها خروجهم بموقف ترضى عنه ويمنحها ورقة في المفاوضات المقبلة قافزة بذلك على قرارات فيينا التي كلّفت الأردن بوضع قائمة بالتنظيمات المعتدلة الممكن التعاطي معها في المرحلة المقبلة، وإذا كانت قوى المعارضة السورية حاولت وأخفقت أكثر من مرة في توحيد مواقفها على برنامج عمل مشترك، بسبب تشرذمها وارتباطاتها الخارجية التي تشدها لمصالح متباينة، فإن ذلك منع القوى الدولية من إيجاد تعريف موحد لتلك المعارضة، وكان المستفيد من هذا الواقع البائس تنظيم داعش وغيره من الجماعات الإرهابية، ما دفع العديد من القوى الدولية للتراجع عن مواقفها المتشددة من النظام السوري، ومغازلته من جديد، حيث بدا أن المعارضة المعتدلة غير موجودة، وأن كل ما يحصل هو حرب بين الجماعات الإرهابية والنظام السياسي. بعد هذا الحراك المتزامن مع تصعيد عسكري ناجم عن التدخل الأجنبي، تقف المعارضة أمام عرض المفاوضات دون شروط مسبقة، وبات عليها حساب خطواتها خشية اضمحلالها، وبات على النظام اغتنام الفرصة دون وهم تحقيق انتصار عسكري، مع ضرورة وعي الطرفين أن المسألة لم تعد محصورة في ما يريدان، فقرار السلام مثلما هو قرار الحرب لم يكن بيدهما والتسوية التي تسعى الأطراف الدولية لفرضها لن تكون مرضية للطرفين، لكنهما مضطران لقبولها لأن رفضها يعني استمرار الأزمة، التي تسبب فقدان الحوار بينهما لحلها بمنح القوى الإقليمية والدولية فرصة عمل ما تراه مناسبا لمصالحها، دون اكتراث بمصالح الشعب السوري، والمؤسف أن بيان الرياض يفيد بأن السعودية اختارت استمرار الحرب لاستنزاف السوريين وحلفائهم باشتراطه مغادرة الأسد وأركان رموز حكمه سدة الحكم مع بداية المرحلة الانتقالية، في قفزة واسعة وغير موفقة على ما تم تجاوزه أصلاً في فيينا.

