محمد مزيد
عندما نزلنا في الإجازة الدورية ، لم يخطر ببالي أن أمر على بائعة القيمر عند الشارع العام المؤدي الى الحويزة ،والتي تشوقت لرؤية وجهها وخصلة الشعر المتدلية على عينها اليمنى ،فيما تتلفع بذلك الخمار البيجي الجميل ، كنا في جوف الايفا نغني أغاني الجنود المتعبين ( يا ويلي على حبي ) ، وفي داخلي تضطرم نار الشوق لتلك الفاتنة التي شغفت بها حبا ، كنت محتارا بين أن أستمر في البقاء داخل الايفا وهي تتجه بنا الى البصرة لنصعد بعدها باصات الريم نحو بغداد ، او أترجل لاتناول فطوري معها ، ثم ألتحق بزملاء العذاب في حربنا الضروس ضد أيران .. ناشدت ناجي صديقي في الموضع أن يريني الصواب فيما أفكر فيه ، فقال على طريقته الخاصة المحببة : الخبال شلون يصير احمر اسود ، إذا قلت لك لا تنزل فانت تخالفني كعادتك .. وفعلا ما أن وصلنا الى الشارع العام ، حتى خفق قلبي وإضطرب ، أراها جالسة ، وحولها الجنود يتناولون فطورهم ، ناجي يراقبني بضراوة ، ويبتسم ، تلك كانت لحظة مجنونة ، أرى فيها نفسي بين خيارين .. اما أن أنزل إليها لاستمر في حواري الصامت مع عينيها وخصلة الشعر المتدلية على جبهتها ، او أن أذهب الى بغداد لاعيش أيام إجازتي الرتيبة .. كانت أبتسامة ناجي تضايقني ، فهو يسخر مني في داخله ،و في تلك الإثناء ، إي في تلك المواجهة النارية المحتدمة بين قلبي وعقلي ، وجدتني أطلب من السائق التوقف حتى اترجل .. أختفت أبتسامة ناجي : يعني راح تسويها صدك ! ترجلت وأتجهت الى ذات الوجه القيمري ، كنت أقترب منها بخطوات متعثرة وأنا في أشد لحظات أرتباكي ، لم أحب امرأة مثلها في حياتي كما أحببتها ، كانت هي بالمقابل قد رأتني بلمحة خاطفة ثم عادت الى صينيتها ، يجلس حولها الآخرون ، جلست خلفهم وقد تعمدت هي أن لا تضع ماعون القيمر أمامي،
بانتظار أن ينهي الجنود طعامهم ، كي تتفرغ لي ..ولما بقيت وحدي معها ، قالت لماذا نزلت من الايفا ؟ أبتسمت ولم أجب ، كنت شغوفا أن أرى ذلك الخجل الجنوبي العذب ،
وتلك الإرتعاشة في الشفيتين .. تناولت فطوري وشربت الشاي ، ولما أردت النهوض ، كتمتْ ضحكت وهي تنظر الى وجهي عندما وقفت مودعا إياها .. فقلت لها ما بك ؟ فاشارت الى ما وراء ظهري ، ألتفت ، وإذا بسيارة الايفا مازالت واقفة ،
والجنود ترجلوا جميعهم ينظرون لي بابتسامات مشعة .. ولما أقتربت منهم صفقوا لي ، ثم صعدنا الايفا ونحن نغني ( يا ويلي على حبي .. يا ويلي على حبي ) .

