علي حسن الفواز
يثير الاعلان عن تشكيل تحالف (إسلامي) بقيادة السعودية لمكافحة الإرهاب جدلا مفتوحا، ليس لطبيعة هذا التحالف أو لأهدافه، بل لما يمكن أن يمثله من ظاهرة خطيرة لشرعنة محاور جديدة، واصطفافات قد تذهب بالمنطقة الى المجهول، فليس لهذا التحالف ذي التوصيف (الطائفي) سوى ترسيم حدود معينة لخارطة ما يمكن أن يُطلق عليه مواجهة الإرهاب، مقابل خلط الأوراق على دول وجماعات لها سياسات واضحة ومواقف معلنة في توصيف الإرهاب، وفي مقاتلته على الأرض في سوريا والعراق واليمن.
هذا التحالف لا أهداف واضحة له، ولا مواقف رسمية تؤيد وجوده، وحتى الصمت الأميركي لا يعدو أن يكون مخاتلة سياسية للتوجس منه، ومن النوايا التي يحملها، ومن المخاطر والصراعات التي قد يُفجرها في منطقة مأزومة أصلا، والتي قد تنعكس على المصالح الأميركية في المنطقة، أو تفتح باباً مع السياسات الروسية التي لها اجتهاد آخر في مكافحة الإرهاب والجماعات الارهابية في سوريا، وبالتالي فإن هذا التحالف قد يكون مدخلا لصناعة أزمة في المنطقة، أو التهديد بإطلاق شرارة حرب من الصعب السيطرة على تداعياتها.اعلان هذا التحالف وعن طريق ولي ولي عهد السعودية يحمل أكثر من دلالة، إذ يقترن بالكشف عن دور عسكري وأمني وحتى سياسي لهذه الشخصية الغامضة، مثلما يبدو وكأنها محاولة لإبعاد أية شُبهة عن السعودية في دعم الجماعات الارهابية وفي تبني خطابها، وأحسبه تواصلا مع معطيات مؤتمر (الرياض) الأخير لجماعات المعارضة والسورية، لكن الأخطر من كل هذا هو البحث عن آلية جديدة لمواجهة التداعيات الأمنية الجديدة في ميدان المعارك على الأرض السورية، وفي مواجهة قوة الحشد الشعبي في العراق وقطع الطريق عليها في تحقيق انتصارات عسكرية ضد الجماعات الارهابية، إذ أن حديث المسؤول السعودي عن مواجهة الإرهاب فيه الكثير من الإلتباس في القصدية، وفي تحديد الجماعة الإرهابية، والتي يمكن تعميمها لتشمل جماعات المقاومة والحركات التي لها دور حقيقي في مواجهة الارهاب.كما أن إدراج أسماء لدول ومنظمات في هذا التحالف يترك انطباعا عن (لاواقعيته) فالبعض منها يعيش أزمات عميقة وخطيرة، وربما لا يملك أصلا جيوشا نظامية تؤهلها للإنخراط في هذا التحالف مثل الصومال وفلسطين التي ينبغي أن تكون بمواجهة الاحتلال الاسرائيلي أولا. ولعل إبعاد الدول التي يمثل الشيعة فيها الأغلبية يُعطي انطباعا عن طائفية هذا التحالف، وعن هوية محاوره وتوجهاته، أو قد يكون أساسا موجها لمحاربة الجماعات الشيعية التي تقاتل الإرهاب في العديد من الدول، كما أن إبعاد الجزائر وسلطنة عُمان عن هذا التحالف يكشف عن النوايا السياسية التي تقف وراء إعلانه، لأن هاتين الدولتين (الاسلاميتين) لهما مواقف معروفة من الإرهاب، ومن سياسات المحاور في المنطقة، فضلا عن أن غياب دولة اسلامية كبيرة مثل أندنوسيا عنه يترك سؤالا عن علاقة هذا التحالف بأنظمة معينة، إذ أن المشاركة في مثل هكذا تحالفات عسكرية يتطلب شرعنة دستورية، ومواقفات برلمانية يفترض وجودها النظام (الديمقراطي) لكي تنأى الشعوب بنفسها عن المغامرات وعن مثل هذه السياسات غير الواضحة، والتي لا آفاق لها.شراء المواقف قد يكون هو المُعطى الذي يقف وراء دفع دول معينة للمشاركة في هذا التحالف، وهو ما بدا واضحا من خلال السعي السعودي للاعلان عن دعم مصر اقتصاديا، وتغطية حاجتها النفطية لخمس سنوات، لكن هذا الأمر قد يبدو صعبا، لأن مصر ليست (طيعة) بسهولة، ففيها رأي عام قوي وفاعل، وسيلعب دورا ضاغطا لإبعاد الشعب المصري عن التورط في حروب وأزمات إقليمية معقدة وليس لها مبرر أصلا.القراءة الأولى لهذا التحالف ستكشف عن وجود الخيط الأميركي في كواليسه، إذ لا تجرؤ السعودية عن مثل هذا التصرف دون موافقة أميركية، وأحسب أن من أخطر أهداف هذا التحالف، والذي لا يزال في مرحلة جسّ النبض، هو ترتيب أميركي بالنيابة لمواجهة المحور الروسي في المنطقة وتوريط روسيا في حرب إيديولوجية مفتوحة ومنهكة للاقتصاد الروسي، عبر محاولة فرض سياسة (الأفغنة) من جديد وتحت يافطة مكافحة الإرهاب، فضلا عن ما يهجس به من نوايا أخرى سببها الفشل الميداني في اليمن وفي سوريا، والذي عجز عن تحقيق أية نتيجة عسكرية يمكن الركون اليها في فرض شروط معينة في مرحلة المفاوضات التي ستكون أمرا حتميا.هذا التحالف سيصطدم – حتما- بالكثير من المعطيات على الأرض، أولها القرارات الدولية، وآخرها قرار مجلس الأمن حول سوريا، واصرار الامم المتحدة على حسم الملف اليمني رغم الخروقات السعودية، فضلا عن إصرار روسيا على فرض واقع جديد في المنطقة على المستويات الأمنية والسياسية، والذي سيعني فشل كل الخطط التي دأبت أميركا وحلفاؤها على تحقيقها في المنطقة.

