المستقبل العراقي/ متابعة
حلويات المولد هي نوع خاص من الحلوى يقدسها المصريون كثيرا ويبتاعونها في مثل هذه الأيام من كل عام، تزامنا مع إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف في 12 ربيع الأول من العام الهجري، الموافق في العام الحالي ليوم 23 ديسمبر.
وعن كيفية ظهور حلوى المولد يقول الباحثون في التاريخ، بدأ ظهورها في العصر الفاطمي حيث كان الفاطميون ينتهزون المناسبات الدينية والعامة لاستمالة الناس، فكانوا يقومون بإعداد الولائم أثناء المولد النبوي ويتضمن ذلك صنع الحلوى وتوزيعها على الحاضرين.
وحلويات المولد عادة أدخلها الفاطميون إلى مصر وساعدوا في نشرها، لتكون هناك حلوى لكل مناسبة كنوع من التقارب الاجتماعي مثل الفوانيس وزينة شهر رمضان، ولها عدة أنواع وأشكال مثل، الجوزية والملبن والفولية والفستقية والبندقية واللوزية والحمصية والسمسمية.
ومن أبرز أشكال حلوى المولد العروسة والحصان اللذان ظهرا خلال عهد الحاكم بأمر الله (الدولة الفاطمية)، الذي كان يحب إحدى زوجاته فأمر بخروجها معه يوم المولد النبوي، فظهرت في الموكب بردائها الأبيض وعلى رأسها تاج الياسمين، فقام صناع الحلوى برسم الأميرة في قالب حلوى، بينما الآخرون رسموا الحاكم بأمر الله وهو يمتطي حصانه ونحتوا له تمثالا من الحلوى.
ويرى البعض أن اهتمام المصريين الشديد بمثل هذه الأعياد الدينية ما هو إلا ميراث قديم يضرب بجذوره في عمق التاريخ المصري الذي شهد اهتماما بإقامة طقوس وتقاليد دقيقة في أعياد جلوس الملك على العرش وعيد الميلاد وعيد الحصاد وعيد وفاء النيل، ومن ثم ورث المصريون من أجدادهم ذلك الاهتمام بطقوس الاحتفالات الدينية في ما بعد.
وتوارث المصريون عبر الزمن الاحتفال بالمولد النبوي حتى عصرنا الحالي ولم تتغير مظاهر الاحتفال كثيرا عن العقود الماضية خاصة في الريف والأحياء الشعبية بالمدن الكبرى.
وتمسك المصريون بإحياء تلك العادة عبر المئات من السنين والتي مرت فيها صناعة حلوى المولد بعدة مراحل، حيث تبدأ بصهر السكر الخام على درجات حرارة مرتفعة ثم صبه في قوالب مختلفة الأشكال والأحجام للعرائس والأحصنة، لتترك بعد ذلك حتى يبرد السكر الساخن الموجود بداخلها، ويتم بعد ذلك فك القوالب وتركها تبرد.
وبعد الانتهاء من المراحل السابقة تدخل الحلوى مرحلة التزيين، لتصبغ بألوان وتزيّن بأطرزة متعددة الأشكال والأحجام.
وقد وصف الرحالة الإنكليزي مارك جرش حلوى عروس المولد بأنها عروس متألقة الألوان توضع في صفوف متراصة وترتدي ثيابا شفافة كأنها عروس حقيقية.
وتؤكد الشواهد التاريخية أن عروس المولد مصرية خالصة، ويحاول بعض المؤرخين الربط بينها وبين تقليد عروس النيل في عهد المصريين القدماء.
وخلف أرفف مرصوصة من الحلوى وعرائس المولد يقف عبدالسلام عبدالله، بائع حلوى بوسط القاهرة في العقد السابع من عمره، يرصّ العلب الفارغة التي لم يملأ منها سوى القليل بسبب حركة البيع المنعدمة، بحسب قوله.
ويقول البائع السبعيني “بدأت بالعمل منذ عامين تقريبا، ورويدا رويدا قلَّت حركة البيع بسبب ارتفاع الأسعار وسوء الأوضاع الاقتصادية”.
وأشار عبدالله إلى أنه لا يبيع من الحلوى سوى القليل يوميا، فيما لا تزال العرائس البلاستيكية معلقة تنتظر من يشتريها، موضحا أن “الزبون يأتي ويسأل عن السعر، وعندما يعرفه يعود من حيث أتى”.
وقفزت الأسعار من 20 جنيها (2.5 دولار) للكيلو غرام من الحلوى (مشكل من أكثر من صنف) إلى 30 جنيها (3.5 دولار تقريبا)، وتراوح سعر العروسة المصنوعة من البلاستيك والمزيّنة ببعض المواد البسيطة من 60 جنيها (7.5 دولار) إلى 150 جنيها (19 دولارا)، والمصنوعة من الحلوى ما بين 100 جنيه (12.5 دولارا) و200 جنيه (25 دولارا).
ويتفق تجار الحلوى على أن الأزمة امتدت لتطال البائع والمشتري على حد السواء، إذ يتمنى المواطن أن يشتري الحلوى طمعا في إدخال الفرحة على عائلته وأطفاله، في حين أن بائعي الحلوى يتمنون هم أيضا البيع لتعويض الخسائر التي تهددهم مع نهاية كل موسم، وهي أزمة مشتركة أججتها الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطن.
ويقول أحد بائعي حلوى المولد “ترى زحمة لكنها وهمية، فالمواطن يأتي مع أطفاله يشاهدون الحلوى والعرائس ثم يغادرون، وأحيانا يأتي أحدهم ويطلب منك أن يأخذ صورة مع عرائس الحلوى لينشرها للذكرى على صفحته بمواقع التواصل الاجتماعي”.
ولم تعد حلوى المولد على براءتها القديمة، فمنذ ثورة يناير أصبح المصريون يشكلون الحلوى بحسب مزاجهم السياسي أو إعجابهم بأحدى الشخصيات الشهيرة، ففي أول سنة للثورة اتخذ حصان الحلوى علم تونس ثم ظهر تمثال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في حين غزا تمثال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جميع المجسّدات من الحلوى هذه السنة إضافة إلى المشاهير من الفنانين.

