توبياس باك
قام الناخبون الإسبان بشيء غريب يوم الأحد الماضي: لقد أحيوا الجديد، لكنهم رفضوا قتل القديم. قدّموا برلماناً مُنشقّاً مليئا بالوافدين الجُدد، والأحزاب الراسخة المُنقسمة بشدة حول المسائل الأيديولوجية – ما أتاح لدى المراقبين كل الأسباب للنظر عبر ممر البرلمان بخوف وجودي. المنطق السياسي والنظام الانتخابي في إسبانيا يُشيران إلى أن التوازن الدقيق الذي خرج من الانتخابات العامة من غير المرجح أن يصمد: عاجلاً أم آجلاً، سيكون على القديم إتاحة المجال للجديد، أو أنه سيتم اجتثاث الجديد من قِبل القديم. عاد الحزبان الراسخان في البلاد – الحزب الشعبي من يمينيي الوسط والحزب الاشتراكي من يساريي الوسط – إلى البرلمان لكن بأعداد مُتقلّصة للغاية. ماريانو راخوي، رئيس الوزراء وقائد الحزب الشعبي، خسر ثُلث نوّابه. كما تم تقليص مقاعد الاشتراكيين المُعارضين إلى أقل من 100 مقعد في المجلس التشريعي، للمرة الأولى منذ عودة إسبانيا إلى الديمقراطية.
ويبقى أنه على الرغم من جميع خسائرهما، سيبقى كلا الحزبين الأقوى في مسافة لا بأس بها. لا يُمكن أن تكون هناك حكومة من دونهما. كل قانون وتصويت ميزانية سوف يبين مدى قوتهما.
بشكل يُثير الفضول، الحزب الأكثر تهديداً بالانقراض هو أحد الوافدين الجدد المُحبب – حزب سيودادانوس الوسطي. مع 40 مقعدا فقط في المجلس التشريعي المكون من 350 مقعدا، فإن هذا العدد صغير جداً على نحو لا يكفي حتى لإحضار شخص إلى موقع السلطة.
يقول خوسيه فيرنانديز ألبيرتوس، المحلل السياسي في مركز CSIC للأبحاث في إسبانيا: “إن الحزبين الكبيرين لا يزالان هما الحزبان الكبيران. أصبح لديهما منافسون جُدد، والنظام الانتخابي لم يعُد ناجحاً بالنسبة لهما كما كان في السابق، لكنهما أثبتا أنهما أكثر مرونة مما توقعه الكثيرون”.
خوسيه اجناسيو توريبلانكا، زميل أعلى في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يتوصل إلى استنتاج مماثل. “ما حدث يوم الأحد لم يكُن يتعلق بتغيير النظام. نعم، هناك لاعبون جُدد، لكن الأحزاب الوحيدة التي هي في موقع لقيادة الحكومة التالية هما الحزبان القديمان”.
بهذا المعنى، من الواضح أن النظام السياسي القديم في إسبانيا تمكن من تجنب المصير المروّع للنظام في إيطاليا في عام 1994 أو النظام اليوناني في عامي 2014 و2015. الحزب الشعبي لم يذهب من المشهد كما فُعل بحق الحزب الديمقراطي المسيحي في إيطاليا قبل عقدين من الزمن.
والحزب الاشتراكي في إسبانيا لم يتغلب عليه اليسار المتطرّف بنفس الطريقة التي حصلت مع حزب باسوك في اليونان، في فترتي الانتخابات الماضيتين.
بدلاً من ذلك، البرلمان الإسباني سوف يتشكل من الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي PSOE الذين يُعتبران ضعيفين فوق الحد وقويين فوق الحد: إنهما ضعيفان على لا يمكن معه أن يحكما وحدهما، أو “مع شريك أقلية مرن”، لكنهما قويان أيضاً على نحو يخولهما أيضا أن يحتلا ببساطة الموقع المناسب في النظام الجديد للهندسة السياسية المتغيّرة، حيث يتم بناء الأغلبية على كل الولاءات المتغيّرة بين الأحزاب المتعددة.
راخوي، متجاهلاً كل هذا الحديث عن الحقبة السياسية الجديدة، قدم محاولته لتشكيل حكومة جديدة بقيادة الحزب الشعبي ليلة الإثنين، حيث جادل بأن معظم الناخبين قد دعموا الأحزاب التي تتشارك بأهداف وقيم حاسمة – من “الدفاع عن النظام الدستوري” ووحدة إسبانبا إلى موقع البلاد في الاتحاد الأوروبي ومكافحة الإرهاب.
وأضاف أن هذه الأحزاب ينبغي أن تحاول توحيد قواها وخلق حكومة مستقرّة. تم توجيه ندائه بشكل واضح إلى الحزب الاشتراكي وحزب سيودادانوس. من حيث السياسة، قد يجد هذين الحزبين في الواقع أرضية مشتركة لدعم حكومة بقيادة الحزب الشعبي.
غير أنه بعيداً عن محادثات تشكيل حكومة ائتلافية، يخوض الحزب الاشتراكي صراعاً مع حزب بوديموس المناهض للتقشّف حول تصويت الجناح اليساري.
الوقوف إلى جانب الحزب الشعبي من شأنه أن يكون نوعا من المناورة التي يُمكن أن تحكم على الحزب الاشتراكي بمصير مماثل لحزب باسوك.
يقول جورج جاليندو، المحلل السياسي والمُحرر في موقع بوليتيكون الإلكتروني: “الوضع الحالي، حيث يملك كل من تحالف الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي وحزب بوديموس أعداداً مماثلة من الأصوات، من غير المرجح أن يستمر، خاصة إذا رأى الناخبون أن أيا منهم غير قادر أو ليس على استعداد لتشكيل ائتلاف”.
ويضيف أنه بالنسبة للوافد الجديد من المرجح للغاية أن يكون الوقت المناسب هو الآن وإلا فإنه لن يكون هناك وقتاً مناسبا أبدا له: “ يعرف حزب بوديموس أن لديه محاولة واحدة فقط لتجاوز الحزب الاشتراكي”.
في نفس الوقت، يواجه حزب سيودادانوس مُعضلة مختلفة. باعتباره أصغر الأحزاب الرئيسية الأربعة، يُجادل جاليندو أنه يواجه بالفعل خطر استبعاده “كبديل ممكن” من قِبل الناخبين الإسبان.
بالنسبة لحزب سيودادانوس، كما هو الحال بالنسبة لغيره من اللاعبين الرئيسين، فإن المعركة من أجل البقاء قد بدأت، إن لم تكن قد انتهت.