أندرو إنجلاند 
في نحو الساعة الرابعة مساء من يوم الأحد الماضي، بدأت السيارات بالتوقّف في المقرّ الرسمي الأنيق للرئيس في بريتوريا. كانت جنوب إفريقيا في قبضة أزمة سياسية ومالية، والشخصيات الرئيسة في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم، ما يُسمّى الستة الكبار، مجتمعة لتقرير ما يجب القيام به.
اندلعت الأزمة بسبب المقامرة غير العادية من قِبل الرئيس جاكوب زوما لإقالة نلانلا نيني وزير المالية المحترم في حكومته، واستبداله بشخص غير معروف، ديفيد فان روين.
هذه الخطوة فاجأت الأسواق، وانخفض الراند مقابل الدولار، وكانت هناك عملية بيع مكثف في الأسهم والسندات الحكومية. في وقت سابق من يوم الأحد، كان التنفيذيون قد التقوا مع مسؤولين من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي لدق ناقوس الخطر. الآن جاء دور كبار رجال الحزب، بما في ذلك، نائب الرئيس سيريل رامافوسا – الذي يُشاع أنه هدّد بالاستقالة – لإقناع زوما بحجم سوء تقديره الفظيع.
استمر الاجتماع لمدة 70 دقيقة. في وقت متأخر من تلك الليلة، تم الإعلان أن الرئيس غير موقفه تماما، بتعيين فان روين بدلاً من وزير المالية السابق برافين جوردان.
معنى ذلك أن جنوب إفريقيا – واحدة من الأسواق الناشئة الرئيسية – عرفت ثلاثة وزراء مالية في خمسة أيام فوضوية.
هذا كان بمثابة تراجع مُذهل بالنسبة لرجل كان الشخصية المُهيمنة في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي منذ فوزه بأعلى منصب في الحزب، في أعقاب معركة مريرة مع الرئيس السابق ثابو مبيكي في عام 2007.
كثيرون اعتبروا قراره الأصلي لعزل نيني بمثابة عمل لرجل يثق بقوة بموقعه على رأس حزب يُعاني من الفصائل وشبكات المحسوبية. يبدو أن العكس هو ما اتضح، في النهاية.
يقول جيرمي جوردين، كاتب سيرته: “إنه تقريباً سلوك المراهق العنيد بالذات – وهذه ليست المرة الأولى. إنه يُخاطر بالفعل .. وكأنه يقول: أنا لا يُمكن لمسي، سوف أقف على حافة الهاوية مع أنها تنهار”. الآن تدور الأسئلة حول ما إذا كان زوما، مُقاتل الشوارع السياسي المُخضرم الذي ارتفع من راع ومُقاتل ليبرالي ليصل إلى أعلى منصب في البلاد، سينجو حتى نهاية فترة ولايته الثانية والأخيرة في عام 2019.
حزب المؤتمر الوطني الإفريقي دعمه علناً، لكنه فعل ذلك في مؤتمر صحافي كئيب بشكل واضح، والرئيس يبدو أكثر ضعفاً من أي وقت مضى منذ توليه المنصب في عام 2009.
هذا الرجل البالغ من العمر 73 عاماً يملك موهبة البقاء. قد يُقلّل النقّاد من عدم حصوله على شهادة رسمية، لكن المُنتقدين والمؤيدين يعترفون بأنه سياسي ذكي لا يرحم ويتمتع بشخصية جذّابة وتتقبّل الانتقاد، وهي صفة ساعدته على التغاضي عن كثير من الفضائح. ولديه لمسة شعبية، حيث يبدو أكثر راحة في تحميس حشود المؤيدين للغناء والرقص، مع صوت جهير وخفّة تُعطي فكرة خاطئة عن الأعوام التي قضاها كرئيس.
يتم عقد الاجتماعات من خلال مزيج من السحر والصلابة، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بالدفاع عن سِجلّه المُتقلّب.
بعد إقالته من منصب نائب الرئيس في عام 2005 بسبب مزاعم الفساد وتبرئته من تهمة الاغتصاب في العام التالي، واصل مسيرته ليفوز بقيادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.
الفضيحة الأولى لفترة رئاسته اندلعت عندما ظهر في عام 2010 أن هذا الشخص مُتعدّد الزوجات، الذي لديه أربع زوجات وما لا يقل عن 20 طفلا، أنجب طفلاً من ابنة أحد أصدقائه.
في عام 2012، في ما يعتبره الكثيرون بأنه لحظة حاسمة بالنسبة للبلاد، أطلقت الشرطة النار على 34 عاملا من عمال المناجم ما أدى إلى مصرعهم. بعد عام، تعالت صيحات الاستهجان ضده في تأبين نيلسون مانيدلا، إلى حد كبير بسبب الجدل حول مبلغ 246 مليون راند من الأموال العامة تم إنفاقها على مسكنه الخاص.
زوما نادراً ما يبدو متأثّراً. عندما تتحداه المعارضة في البرلمان، يرد بضحكة مكتومة. يقول جوردين: “لديه إلى حد ما عقلية الضحية: ’نحن فعلنا هذه الأمور من أجلكم، لقد غيّرنا العالم، نحن حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الآن أنتم مدينون لي‘“.
يعزو الرفاق السابقون سلوك زوما إلى نشأته القاسية في مقاطعة كوازولو ناتال الريفية وتجاربه في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي. لقد انضم إلى الحركة وهو في عمر 17 عاماً، ليُصبح رئيس الأمن في المنفى، ويكسب سمعة باعتباره قائدا شجاعا ويحظى بالاحترام.
بيد أنه عندما عاد أعضاء مؤتمر الحزب الوطني الإفريقي المنفيين إلى البلاد بعد انتهاء الفصل العنصري في عام 1994، اضطر الكثيرون للدفاع عن أنفسهم. البعض أغرتهم الثروات المالية من رجال الأعمال الذين يسعون إلى فرض نفوذهم السياسي في العصر الجديد. محاكمة عام 2005 لشابير شيخ، مستشار زوما السابق الذي حُكم عليه بالسجن لمدة 15 عاماً، بتهمة محاولة التماس الرشا ودفعيات أخرى للسياسي، كشفت أن زوما يعيش في مستوى يتجاوز موارده المالية.
تصرفاته اللاحقة كرئيس أبعدت كثيرا من الزملاء السابقين. هناك مصدر قلق خاص هو علاقة عائلته مع عائلة جوبتا، العائلة التجارية التي تحظى بنفوذ. ظهرت فضيحة “جوبتا-جيت” قبل عامين بعد أن هبطت طائرة مستأجرة تأخذ الضيوف من الهند لحضور حفل زفاف عائلة جوبتا، دون ترخيص في قاعدة جوية عسكرية في جنوب إفريقيا.
هناك سباق على الخلافة يجري بالفعل من أجل أعلى منصب في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وسيعقد الحزب اجتماعاً للقيادة في عام 2017. من المرجح أن يتنافس رامافوسا ضد نكوسازانا دلاميني زوما، رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي وزوجة زوما السابقة.
حتى الآن، لم يتحدث أي زعيم لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي ضد زوما في مناخ يجد فيه من يتحدى القيادة أنه سيُقذَف إلى البراري والقفار. الكثير قد يعتمد على أداء حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في الانتخابات المحلية العام المُقبل.بين توروك، واحد من المُخضرمين القلائل في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي ينتقد زوما علناً، يأمل في أن التغيير مقبل. يقول: “حزب المؤتمر الموطني الإفريقي منظمة كبيرة، تعمل من خلال المزاج. الشخص سوف يصمد لأنه يُطلَب منه ذلك. ما أنا في انتظاره هو أن تتسارع الأمور، لأن الزخم موجود هناك”.

التعليقات معطلة