Pdf copy 1

صادق ناشر 
لم يعد العالم الذي نعيشه اليوم كما نعرفه، فقد تحول إلى عالم متناحر تأكل دوله بعضها بعضاً، عبر مؤامرات، سواء بواسطة الحروب أو السياسة، يفعل ذلك اللاعبون الكبار ويخسر فيه الصغار، الذين ارتضوا لأنفسهم أن تتحول بلدانهم إلى ساحات لمعارك الكبار.
منذ اندلاع ما يمكن تسميته مجازاً «الربيع العربي»، والعرب يغوصون تدريجياً في رمال الأزمات المتلاحقة، أزمات لم يعد بالإمكان محاصرتها، أو محاصرة تداعياتها التي انفتحت على مصراعيها بشكل لم يسبق له مثيل خلال تاريخ العرب، بدوله وشعوبه.
لم يكن «الربيع العربي» أمراً سيئاً عند بدايته، إذ إنه فتح أبواب الأمل لتغيير ظلت بعض الأنظمة العربية تقاومه عقوداً طويلة تحت مبررات عدة، أهمها أن الشعوب العربية تقبل بما هو قائم ولا تحتاج إلى ديمقراطية وعدالة اجتماعية، وأن الأنظمة القائمة أكثر فهماً لخصوصيات شعوبها، والأقدر على تطويعها، وعدم حرف توجهاتها إلى أماكن أخرى. لكن «الربيع» تحول مع الأسف إلى «خريف» مدمر بعد أن اقتلع الشجر والحجر والبشر، فعندما خرجت الشعوب تطالب بالتغيير، استنفرت الأنظمة إمكاناتها وأخرجت قبحها كله للبقاء على رأس المشهد، ودارت حروب طالت العديد من الدول، لعل أبرزها ليبيا وسوريا واليمن، وجميعها بلدان تتمزق اليوم أمام أعيننا تحت يافطات سياسية متعددة، سبقتها إليها دولة العراق التي لا يزال شعبها يدفع ثمن احتلاله من قبل الأمريكيين والغرب منذ أكثر من 10 سنوات.
خلال سنوات ما بعد «الربيع العربي» حصل تبدل كبير في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للعرب، لم يعد العرب كما كانوا، ولن يبقوا بالتأكيد، كما هو حالهم اليوم، لا شك في أن شيئاً ما كبيراً قد حصل، وآن الأوان لحصاده، ومع الأسف، فإن هذا الحصاد سيكون مراً، فقد تزايدت حدة الانقسامات في أوساط العديد من دول «الربيع الخريفي»، وتحول الكثير من هذه الدول إلى مجرد لعب سياسية في أيدي لاعبين كبار يتحكمون في المنطقة كما يشاؤون.لا يعتقد العرب أن دخول العنصر الأجنبي يمكن أن يكون ضماناً لاستقرارهم، فهذا هو أبعد هدف يمكن أن يكون من وراء بعض التدخلات الخارجية في المنطقة، صحيح أنه قد يحقق بعض الأهداف الآنية في الحفاظ على عمر بعض الأنظمة لسنوات، لكنه في حقيقة الأمر تدخل مصحوب بمصالح سياسية واقتصادية أكبر، ومن اليقين أن المصالح إذا جمعت اللاعبين الكبار لاحقاً، فإنهم سيتركون الجميع خلفهم، كما حدث مع بعض الأنظمة التي تخلى عنها بعض اللاعبين الكبار عندما شعر هؤلاء بأن مصالحهم لم تعد مجدية مع بقاء هذا النظام أو ذاك.ليت العرب يفهمون أن استقرار بلدانهم وأنظمتها مرهون بمدى التنازلات التي يقدمونها لبعضهم بعضاً، ليتهم يفهمون أن الاستعانة بالأجنبي، أياً كانت قوته اليوم لن يكون قادراً على الصمود حتى نهاية المشوار.

التعليقات معطلة