علي جرادات
لكل دولة مشاكل، أما أن تستفحل مشاكل الدولة، أي دولة، لدرجة الأزمة، فيعني أن لديها خللاً بنيوياً في النظام. هنا تصبح الدولة، تَقدم الأمرُ أو تأخر، أمام خيارين لا ثالث لهما، هما: إمّا التجرؤ على إصلاح النظام، أو التهرب وترك الأزمة تتفاقم حتى تبلغ أعلى درجاتها.
وبقدر ما يتعلق الأمر بتركيا الأردوغانية، فإن ثمة كثيراً مما يحمل على الاعتقاد، (كي لا نقول الجزم)، بدخولها، لا في أزمة واحدة، بل في أزمات، داخلية وخارجية، قادتها، بتداخل أسبابها ومفاعيلها وتداعياتها، إلى نتائج أوصلتها، أو تكاد، إلى طور المأزق.
لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، منذ عام 2002، لم يعترف حتى الآن، والأرجح أنه غير وارد اعترافه بهذه الحقيقة المرة، بل يتشبث بسياساته، وكأنها سليمة وصائبة وحكيمة، ولا غبار عليها، ولا تحتاج إلى نقد أو تعديل، فما بالك بالمراجعة والتغيير والتبديل، ما جعل التناقض والتخبط والمراوغة،، سيد الموقف في سياسات تركيا، الداخلية والخارجية، خصوصاً في السنوات الخمس الأخيرة.
ولما كانت أزمة المسألة الكردية هي أبرز وأعقد أزمات تركيا الأردوغانية الداخلية، فإن تهرب أردوغان من تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع زعيم «العمال الكردي» السجين عبدالله أوجلان، هما سببا إضاعة فرصة حل المسألة الكردية حلاً سياسياً ديمقراطياً، بل وتفاقمها إلى حدود عودة الخيار الأمني – العسكري إلى الواجهة، وهو الأمر الذي يفتح باب استثمارها من قوى وأحزاب تركية داخلية معارضة، تشكو من نظام أردوغان ، ودول إقليمية وعالمية، حولها أردوغان إلى دول معادية بفعل سياسته الخارجية التوسعية الطائشة التي ترفض التخلي عن ورقة «الإخوان المسلمين»، وورقة حركات «الإسلام السياسي»، عموماً، بما فيها الإرهابية، ذلك أن كليهما جسر أردوغان لتحقيق أحلام وأطماع «العثمانية الجديدة» في الوطن العربي.
وفي هذا تتمثل أبرز أزمات تركيا الأردوغانية الإقليمية. إذ على الرغم من إطاحة الشعب المصري سلطة جماعة «الإخوان المسلمين»، وإسقاطه لحلمها في حكم مصر، مفتاح الوطن العربي، بدعم خارجي وأمريكي – تركي أردوغاني خصوصاً، لمدة 400 سنة، وعلى الرغم من فشل رهان أردوغان على سرعة إسقاط النظام السوري، وإيصال جماعة «الإخوان» للسلطة في سوريا، مفتاح تمدد نفوذ الجماعة وفرعها التركي، حزب العدالة والتنمية، في المشرق العربي، وعلى الرغم من افتضاح أمر استخدام تركيا أردوغان للعصابات التكفيرية الإرهابية بمسمياتها، بما فيها أكبرها وأخطرها، «داعش» و”النصرة”، خصوصاً في سوريا والعراق، نقول على الرغم من كل ذلك مازال أردوغان يركب رأسه، ويواصل سياسته الخارجية التوسعية، وآخر فصولها؛ رفضه سحب قوات عسكرية تركية، دخلت عنوة، إلى العراق، وتمركزت في معسكر بعشيقة شمال الموصل التي يسيطر عليها، منذ عام، تنظيم «داعش» الإرهابي، ما يشكل انتهاكا فظاً لسيادة الدولة العراقية واستقلالها، وخرقاً مفضوحاً لمبادئ النظام الدولي، ولأصول حسن الجوار.
والغريب هو؛ أن أردوغان لا يسحب هذه القوات على الرغم من مطلب الحكومة العراقية بسحبها فوراً، وبلا قيد أو شرط، كمطلب دعت إلى تنفيذه الجامعة العربية بالإجماع، وبصورة لا لبس فيها، فضلاً عن دعوة مشابهة، في الجوهر، صدرت عن مجلس الأمن، فيما طالب الرئيس الأمريكي أوباما، أردوغان بسحب هذه القوات. وتتمثل أوضح علامات تخبط سياسة أردوغان في إسقاط الطائرات التركية للقاذفة الروسية، حيث تخيل، أنه يستطيع بذلك وقْف مسلسل إفساد الروس لما بين يديه من أوراق رابحة في سوريا، بل وإنه يستطيع إدماءهم من خلال حصوله على غطاء عسكري وسياسي من «حلف الناتو» وواشنطن، لكن براغماتية الأخيرة، وحرصها على عدم الدخول في صراع مباشر مع روسيا، لم يجعلا رهان أردوغان محفوفاً بالمخاطر فحسب، بل خلق له أزمة جديدة لم تتضح عواقبها وتداعياتها ونتائجها النهائية على تركيا بعد.
بفعل كل ما تقدم من أزمات تركية، لم يجد أردوغان، ورئيس وزرائه، أوغلو، سوى اللعب بورقة فلسطين الرابحة، واتخاذها ورقة توت في مفاوضات التطبيع مع «إسرائيل». فبعد غياب طويل تَذكر أردوغان وأوغلو فلسطين، حيث قال الأخير: «لا ننسى غزة، وفلسطين، والقدس، والمسجد الأقصى، حتى في أحلامنا، فكيف في المفاوضات»، أي المفاوضات التي يجريها حزب العدالة والتنمية الحاكم، باسم تركيا مع «إسرائيل»، بهدف تطبيع العلاقات معها وإعادتها لسابق عهدها، بما يخدم مصالح البلدين ومصالح عموم دول وشعوب المنطقة، حسبما زعم أردوغان، بعدما سربت وسائل إعلام «إسرائيلية»، نصوص «تفاهم أولي»، تم التوصل إليه بين الطرفين، فيما لاتزال تعترض إقراره بصورة نهائية ورسمية عقبة مطلب أردوغان رفع الحصار عن قطاع غزة، كمطلب ترفضه «إسرائيل»، حتى بعدما حوَّله أردوغان من شرط إلى مطلب تفاوضي، واختزله في إمكانية «حصول تركيا على تسهيلات أو موطئ قدم في قطاع غزة»، حسب تسريبات وسائل الإعلام «الإسرائيلية»، أيضاً. واللافت هنا، هو أن تتذكر تركيا الأردوغانية فلسطين من بوابة تطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، في الوقت الذي تَذكَّر فيه الإرهابي أبوبكر البغدادي «خليفة» الدولة الإسلامية المزعزمة، فلسطين، حيث قال: «فلسطين التي ظن اليهود أننا نسيناها، كلا ما نسينا فلسطين»، بعدما خسرت عصابته نصف ما سيطرت عليه، قبل عام، في شمال العراق، فضلاً عن تقهقرها من مواقع مهمة في سوريا، خاصة عند الحدود مع تركيا.فهل تريد تركيا الأردوغانية إدامة الانقسام الفلسطيني، لتحويل قطاع غزة إلى شوكة دائمة في خاصرة مصر، بعدما أفسد الروس أغلب أوراقها الرابحة في سوريا؟!

