Pdf copy 1

سميح صعب 
التوافق الاميركي – الروسي على إيجاد تسوية سياسية للأزمة السورية، لا يبدو مستساغاً من قبل أطراف اقليمية ترى ان أهدافها في سوريا لا تزال بعيدة عن التحقق على الرغم من مرور خمسة أعوام من الحرب. وللاقليميين حساباتهم التي لا تتوافق بالضرورة مع حسابات روسيا واميركا، وفي طليعة هؤلاء تركيا والسعودية.  
وبالنسبة لتركيا كان طموحها اقامة منطقة عازلة
او “منطقة آمنة” او منطقة “حظر طيران”  داخل الاراضي السورية تستخدمها مجموعات المعارضة منطلقاً لشن هجمات على الجيش السوري وتقطع الطريق نهائياً أمام احتمال نشوء كيان سياسي كردي على الحدود الجنوبية لتركيا، فضلاً عن ان “المنطقة الآمنة” التي كان يفترض ان تكون بحراسة الولايات المتحدة وتركيا وحلف شمال الاطلسي، كانت ستقضي نهائياً على اي احتمال امام قيام سوريا موحدة مرة أخرى.  
لكن تردد اميركا حيال الخطط التركية والتدخل الجوي الروسي في سوريا الى جانب الجيش السوري، جعل تجسيد مثل هذه الخطط على الارض أمراً مستحيلاً، لا سيما بعد اسقاط المقاتلات التركية القاذفة الروسية “سوخوي-24” على الحدود السورية – التركية في 24 تشرين الثاني الماضي وما تلاه من توتر في العلاقات الروسية – التركية. وحذرت موسكو أنقرة من انها ستسقط أية طائرة تركية تنتهك الاجواء السورية. وكان نشر روسيا بطاريات صواريخ “اس-400” في سوريا رسالة لا تقبل الشك على ما تعتزمه روسيا في حال قررت تركيا المضي في تحدي موسكو.   
أمام هذا الواقع الذي يعاكس طموحات أنقرة، لجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الى اجراء تعديلات في سياسته الاقليمية التي اصطدمت بالجدار الروسي في سوريا. ولم يكن صدفة قرار اردوغان بإعادة تطبيع العلاقات مع اسرائيل بعد سنوات التوتر عقب مقتل ناشطين اتراك على متن “اسطول الحرية” الذي كان يبحر لفك الحصار الاقتصادي عن قطاع غزة عام 2010 . وعندما يقول اردوغان ان تركيا “في حاجة الى اسرائيل وان اسرائيل في حاجة الى تركيا” فإن ذلك يؤشر الى ان الدولتين لهما مصالح مشتركة في المنطقة تبدأ اولاً من سوريا.  
كما ان اردوغان توجه الى تعزيز علاقاته مع السعودية على الرغم من ان الرياض لعبت دوراً محورياً في خلع نظام “الاخوان المسلمين” في مصر عام 2013 من خلال دعمها الرئيس عبد الفتاح السيسي. ولأنقرة والرياض مصلحة مشتركة في سوريا ايضاً تقضي بأن لا يمر أي حل سياسي من دون تحقيق الحد الادنى من هدف انقرة والرياض المتمثل في اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد. واستنادا الى هذه المعطيات ينطلق اردوغان في توثيق علاقات اقليمية جديدة بغية الوقوف في مواجهة اية محاولة اميركية – روسية لفرض حل في سوريا لا يتوافق مع الرؤية التركية لسوريا.   
وفي موازاة المسعى التركي، هناك مسعى سعودي الى منع أي حل سياسي في سوريا لا يلبي في حده الادنى إبعاد الاسد عن السلطة. وهذا مطلب لا تخفيه الرياض رغم انها تشارك في المساعي السياسية التي ادت الى انعقاد “مجموعة الدعم الدولية لسوريا” التي تضم 17 دولة في فيينا مرتين وفي نيويورك مرة ثالثة، بغية البحث عن السبل الآيلة الى التوصل الى حل سياسي ومهدت لصدور القرار 2254.   
فالمشاركة السعودية في الجهود السلمية لم تلغ ابداً استمرار الدعم للمجموعات المعارضة والتي تمثلت في انعقاد مؤتمر الرياض الذي انبثقت عنه هيئة للمعارضة السورية برئاسة رئيس الوزراء السوري السابق رياض حجاب فضلاً عن مشاركة ممثلين لـ”جيش الاسلام” و”حركة احرار الشام الاسلامية” رغم الفكر السلفي التكفيري الذي تحمله الحركتان ورغم مطالبة موسكو بوضع هذين الفصيلين على لائحة المنظمات الارهابية التي يجب ان تكون مستثناة من أي وقف للنار في سوريا. لكن السعودية تجاهلت المطلب الروسي وجعلت من “جيش الاسلام” و”حركة احرار الشام الاسلامية” طرفين اساسيين في أي حوار سوري -سوري يفترض ان ينطلق في 25 كانون الثاني الجاري، فهل تعمدت السعودية اتخاذ مثل هذه الخطوة كي تحرج النظام السوري وتجعله يرفض الحوار بسبب مشاركة هذين الفصيلين في وفد المعارضة.    
كما ان التصعيد السعودي – الايراني بعد اعدام السعودية الشيخ نمر باقر النمر يشير الى ان مرحلة الديبلوماسية لحل الخلافات بين الرياض وطهران لا تزال بعيدة بما يضفي مزيداً من التعقيد على حل الازمات الاقليمية من اليمن الى سوريا.

التعليقات معطلة