ياسر ثابت 
يوضّح الإطلال النّقديّ المعمّق، المؤسّس على ما أصّله التاريخ الاجتماعي للأدب والفنّ من معطيات ومعارف وخلاصات، أنّ الظواهر الأدبية والفنيّة، في انبثاقها وصيرورتها واكتمالها، وعلى تعدّد أنواعها وأشكالها وأنماطها وتنوّع الأساليب والمقترحات الجمالية الجديدة المتّصلة بها، مع تباين مقاصدها، ليست محض نتاج لنزوع فرديّ يستحوذ على هذا المبدع أو ذاك، فيحفّزه ويحدّد ميوله ويدفعه إلى اجتراح نوع أو شكل أو نمط أدبيّ أو فنّي جديد قد يتحوّل، مع الوقت والتراكم الكميّ والنّوعي، إلى ظاهرة مكرّسة في مجالي الأدب والفنّ، وإنّما هي، مع اتسامها ببعد فرديّ لا يمكن إغفال ضرورته وأهميته، نتاج علاقة تفاعلية ثرّة ومتشعّبة بين المبدع من جهة، والمجتمع، بتعدّد حقوله وطبقاته وفئاته ومجالات أنشطته الإنسانية المتنوّعة، من جهة أخرى.
فما الإبداع الجديد إلا نتاج يتأسّس على وقائع ومعطيات اجتماعية وتاريخية ممتدّة ومتنوّعة؛ إنّه يتحرّك في نطاق محيط ثقافيّ يتفاعل المبدع مع مكوناته استنادا إلى مواقف يتّخذها إزاءها، فتحفّز هذه المواقف لنفسها، عبر الإبداع المتفاعل والمجدّد، سياقات متغايرة في نطاق الحقل الأدبي أو الفنّي الذي تنتمي إليه، وتشقّ لنفسها مسارا في المحيط الثّقافي العام مسكونا برؤى جديدة مفتوحة على محاورة الحياة، وتجديد الإبداع، والسّير اللاهب صوب ممكن آخر لا تنتهي آفاقه الشاسعة، ولا يخفت ضوؤه الجاذب، ولا يُغلق إحجامٌ عن إعمال الخيال قباب مداراته المفعمة بالآمال والرّؤى.
وما الإبداع الجديد، في هذا الضّوء، إلا نتاج لا يكفّ مبدعه، أديبا كان أو فنّانا، عن محاورة ما يحتويه الحقل الأدبي أو الفنّيّ الذي إليه ينتمي نتاجه الإبداعي الجديد من نصوص وأعمال، وذلك في مجرى تفاعل مفتوح على تعدّدية لافتة في أنواع التّناصّ وأشكاله وأساليبه ومدلولاته وغاياته التي تظلّ محكومة برؤية للعالم، وبموقف متشعّب يتّخذه المبدع من عالمه، ومجتمعه، وتراثه الثّقافي المتنوّع، وفي صلبه كلّ ما يحتويه الحقل الأدبي أو الفنّيّ الذي ينتمي إبداعه إليه من منجزات إبداعية سابقة وضمنها تلك التي تعود إليه.
هكذا لا يكون للبعد الفردي في انبثاق الظواهر الأدبية والفنية أدنى وجود أو أثر إن لم يتوافر المبدع على رؤية للعالم هي، في التّحليل الأخير، رؤية جماعية، وذلك لأنّ هذه الرّؤية ليست إلا نتاج ذاتٍ فاعلةٍ تتجاوز الذّات الفردية، وما ذلك إلا لأنّ المبدع، وكذلك المفكّر والمثقّف الجاد وكلّ إنسان يتوق إلى إدراك جوهره، سيعجز عن إحالة نفسه إحالة موضوعية في الوجود، كذات مبدعة، إن هو عزل نفسه عن الجماعة الإنسانية التي ينتمي إليها، أو تقاعس عن السّعي الدّؤوب إلى إدراك الواقع القائم الذي يحكم حياة هذه الجماعة فيغلق منافذ تطلّعها صوب مستقبل أفضل؛ إدراكا يتسم بعمق واتساع يمكنانه من استشراف آفاق الواقع الممكن الذي تكتشف الجماعة، وهي تعبر المسارات المفضية إليه في مجرى حراك نهضوي شامل تضيئه رؤى المبدعين وتبصّرات المفكّرين، قدراتها الخلّاقة التي تعمّق رؤيتها للعالم، وتوسّع آفاق الواقع الممكن الذي تجسّده وهي تعبر مداراته متوجّهة صوب كمالها الإنساني المحتمل.
وهكذا، أيضا، لا يكون لموقف القبول، رضا أو قسرا، بالواقع القائم، أو للسّعي إلى التوفيق بين متناقضات هذا الواقع المتصارعة، أن يتوافرا على ما يمكّن إنسانا من تشكيل رؤية للعالم، فكلا الموقفين يفتقر الأسس والمقتضيات اللازمة لتشكيل رؤية من أيّ نوع، وأيّا ما كانت طبيعة هذه الرؤية، وما ذلك إلا لأنّهما يفتقران، بل إنّهما يرفضان بعنت يجافي طبيعة العقل الإنسانيّ، المبدأين العقليين الحاكمين في انبثاق الرّؤى وتشكّلها، ألا وهما: التّساؤل، والشّك، وهما المبدآن اللذان لا يفضي غيابهما إلى تغييب العقل فحسب، بل إلى تجفيف منابع الخيال الخلّاق على نحو قسريّ، لا إنسانيّ، ولا يقود إلى شيء سوى إعدام الإبداع؛ أي إماتة الحياة، وإغلاق أي منفذ يتيح للإنسان أن يعثر على كمال إنسانيّ ينقصه الكمال المتحقّق فيحفّز خطوه السّاعي إلى إدراك كمال أعلى.أخلص من ذلك، ومن كثير غيره مما يعزّزه، إلى القول إنّه ليس لشخص غير متسائل، غير مسكون بالقلق، وغير شكّاك حتّى يلمس يقينا يواكبه ظل شكٍّ، أن يكون أديبا أو فنانا أو مبدعا ذا شأن، أو أن يحسب بأي حال على الأدب والفنّ، أو حتّى على الإنسان الموسومة هوّيته، جوهريا، بعقل إنسانيّ يتوافر، بطبيعة فطرته، على ملكات تتيح له أن يتخيّل، ويفكّر، ويدرك، ويشعر، ويتساءل، ويشكّ، ويتأمّل، وينقد ويحاور، فيقبل ويرفض، ساعيا عبر ذلك كلّه إلى إدراك جوهر حقيقته بوصفه إنسانا، إنسانا فحسب.

التعليقات معطلة