Feature

عارف الساعدي 
قبل أيام كنت في مدينة السماوة أنا وأصدقائي، لم أر المدينة منذ زمنٍ طويل، وأتذكر أني رأيتها مرة واحدة بزيارة سريعة، دون أنْ أتزود من شوارعها الخجولة، أو حاراتها الفقيرة والبسيطة، ولكن هذه المرة كان باستقبالنا الدكتور عزيز حسين، صديقنا القديم الجديد، وهو من أهالي «الرميثة» ولكنَ عمله في جامعة المثنى، وسكنه في السماوة نفسها.
دلّنا عزيز على بعض معالم المدينة البسيطة، ولكننا أنا وصديقي د. مؤيد آل صوينت ود. ستار عواد، كنا مأخوذين بهذه المدينة الوادعة، التي تستلقي أقدامها في حضن الفرات، وتتمدد غافية بين شفتيه، تجول بصرنا في أزقتها الهادئة، ولكن الجميلة في الوقت نفسه، والتمّ ــ بلحظة ــ أصدقاء حميمون، سمعوا بنا فهرعوا إلينا لضيافتنا، واللقاء بنا، وكأنّ المحافظة عبارة عن حيٍ صغيرٍ، تتصل بمن تشاء فيحضر في لحظته، وكأن الناس جاهزون لممارسة طقوس الحب والحفاوة.
كل هذا الكلام هو مقدمة للموضوع الذي أريد أنْ أشير إليه، ذلك أننا كنا نسير في سيارتين نحن القادمين من بغداد، ومعنا عزيز، وسيارة أخرى لأساتذة زملاء لنا في المثنى، ونحن نسير في هذه الاثناء، وقفنا في تقاطع مروري، فإذا بعزيز يشير لنا لينبهنا أنْ ننظر إلى شرطي المرور، فنظرنا إلى ذلك الشرطي الأسمر الناحل، والذي يقدر عمره في نهاية الخمسينيات، وقلنا: ما المشكلة في هذا الشرطي؟ قال عزيز: لقد اختير شرطي المرور هذا كأفضل شخصية في المحافظة لعام 2015.
في هذه اللحظة انطلقت بنا السيارة، ولكننا صحنا جميعا توقف فوقف، ووقفت السيارة الأخرى ونزلنا كلنا لشرطي المرور سلَمنا عليه، فعانقنا كأننا قادمون لبيته ضيوفا، أخذنا معه صورا في موبايلاتنا، وقبَلناه، وشكرناه، وهو يمسك بنا ويشكر نزولنا من السيارة، عدنا أدراجنا للسيارة، وسألت عزيز: لماذا اختير هذا الشخص كأفضل شخصية؟ فبدأ عزيز يعدد مناقب هذا الشخص وأفضاله، حيث ذكر بأن هذا التقاطع يشبه بيته الذي لا يغادره فلا المطر يبعده عنه ولا الشمس السخية تثنيه عن مواصلة إشاراته والتنازل عن ممارسة الحياة في هذا التقاطع، لا يستريح ولا يكل ولا يمل، يحبه سائقو السيارات، ويحترمونه في الوقت نفسه، له هيبة مخلوطة بوقار واحترام، يؤدي واجبه بكل ما أوتي من حب والتزام.
 وظل عزيز يعدد الخصال، بينما أنا رحت أحدث نفسي:  لقد اختير شرطي مرور السماوة ــ الذي لا أعرف اسمه الى الآن ــ كأفضل شخصية لعام 2015، وهو غير منتم لأي حزبٍ سياسي وليست خلفه جهات تنظيمية، أو مدعوم من مسؤول أو أو، هذا الشخص نموذج للموظف العراقي الذي بدأنا ــ للأسف ــ نفتقده، وحين نرى مثل هذا الموظف نصدم، وكأن القاعدة العامة هي عدم الالتزام، بينما الشذوذ هو أن يكون موظفا نزيهاً وحقيقيا «كشرطي مرور السماوة».
 تحية حب وتقدير له، وهو يبعث بأكثر من رسالة لكل موظف في هذه الدولة للعمل والنزاهة والحب.

التعليقات معطلة