جمال جاسم أمين
ربما من عاداتنا القديمة ما نطلق عليه الآن (رثاء الوقت) او التأسي على فواته، إذ ترفدنا البلاغة بلائحة من التعبيرات التي تقع ضمن هذا الوصف من قبيل (فوات الأوان) وما شابه من التعبيرات الحديثة التي سبقها ما هو اقدم على سبيل (عتاب الدهر) او شتمه احيانا باعتباره المسؤول عما يحدث للانسان حتى نهى الرسول عن هذه العادة لأسباب دينية ربما يرجع تأويلها الى حقيقة أن فعل الدهر الذي يقصدونه هو مشيئة الله تعالى وسنته في خلقه. هناك الكثير على هذا الصعيد مثلما هناك ادبيات تبرّأ الزمن وتتهم الناس من نوع (نعيب زماننا والعيب فينا) او كما قال المتنبي (وعاجز الرأي مضياع لفرصته.. حتى اذا فات امر عاتب القدرا). ما يعنينا هنا هو علاقة الانسان بالزمن، هذه العلاقة المعقدة التي شكلت مفصلا من مفاصل البحث الفلسفي على مر الازمان. أتذكر دهشتي يوم قرأت ان الاحساس بالزمن شخصي وان الزمن ببعده النفسي هو غير الزمن الرياضي، كنت يومئذ في بداية الوعي الذي تدرج على مرّ الزمن ايضا. لم يكن زمن السجين يشبه زمن المتسابقين في الملعب مثلا. كان هذا التفريق حاسما بالنسبة لي بل أعده انتباهة اولى على طريق الاحساس بالزمن او مفهمة الوقت. للامر صلة بالابداع الادبي والفني بمعنى ان مفهوم الزمن في النصوص له بعده الخاص والمركب المفارق لزمن الواقع البسيط، وفي الاقتصاد الزمن معادل المال. وفي التاريخ الزمن فاعل في تأويل وفهم الاحداث ما يعني ان هناك ازمنة لا زمن واحد ولكل واحد من هذه الازمنة صورة خاصة ومنظار لرؤية هذه الصورة. وعلى صعيد الانسان نفسه يحدد الزمن نوع النشاط الانساني ففي الطفولة تطلع وفي الشباب اندفاع ثم خفوت وحكمة على مشارف الشيخوخة، هذه المراحل العمرية هي خانات زمنية تحدد نوع طموحاتنا وطريقة تعاطينا معها.
وفي النهاية يجلس الانسان لحساب البيدر كما يقال، بعضنا يذهب مذهب الاوائل لرثاء الوقت او عتاب الدهر الذي فوّت عليه الكثير فمرّ سريعا دون ان يسمح بتحقيق ما نصبو اليه وهي عادة الانسان في تبرير إخفاقه، كل هذا ينصب على زمن الفرد اما زمن الجماعة فله تقديرات اخرى ينبغي ان يحسب على اساسها، أي لا يليق بالدول او الشعوب ان تتهم الزمن مثلا كما يتهمه الافراد!. لا يليق بالامم ان تهدر زمنها في حروب ومنازعات كي تتأسى فيما بعد على (فوات الوقت)!.اليوم نجد انفسنا عندما نفهرس الخسائر ننسى ان فوات الزمن هو الخسارة الكبرى. أسوق هذه المداخلة للتذكير بأن التجربة السياسية الجديدة في العراق مرّ عليها أكثر من عقد وهي لا تزال تعاني عقدة الانطلاق ذاتها التي نشأت منذ عامها الاول! الكل يتهم الكل! كل نهاية بداية لجدل جديد، الزمن ملتف والتجربة دائرية مغلقة على نفسها، بعضنا يتحدث طويلا عن الانسداد ولا حديث عن الحل او التقدم خطوة باتجاهه. لا شك ان هناك من يعوّق هذه الخطوة، تجار حروب وسدنة أزمات لا يهمهم فوات الزمن ولا يدركون ان هذه السنوات هي من عمر جيل وربما اجيال نحن نتسبب في خسارتهم. ما اريد ان اقوله هو: إن الزمن مسؤولية كما ان الحفاظ عليه وعدم اهداره واجب اخلاقي قبل كل شيء وهو ليس ملك احد منا بل هو زمن أمة وجماعة لا فرد واحد او مجموعة افراد. لننظر ماذا يترتب على مثل هذا الاهدار على مستوى التعليم مثلا، هناك فرص مضاعة ونابهون كثر بين ابنائنا لم نمنحهم فرصة كافية لتمثيل انفسهم او إبراز مواهبهم وطاقاتهم. لنتأمل حجم الخسارة على مستوى التنمية البشرية وصناعة الحياة في ظل مثل هذا العطل الذي نعانيه!. بالطبع هناك الكثير من التبريرات التي سيواجهك بها بعض الساسة والمشكلة ان التوسع في التبرير إضاعة للزمن ايضا لأن التبرير غير العمل وهو لا يقدم سوى براءة طرف ضد طرف لا غير بينما نحن نحتاج خطوة جادة للخروج من كل هذا السجال اللامجدي. السياسي الحصيف هو من يوقف سيل السجال امام لحظة وعي جاد بالازمة، من يوقف الخسارة لا من يديمها متذرعا بعدّة تبريرية لا تنتهي، هذا الحديث عن ثروة عراقية مهدورة اسمها (الزمن)، ثروة غير منظورة لكنها لا تقل أهمية عن الثروات الاخرى التي نمنحها كل الاهتمام، حديث بقصد الانتباه والتذكير قبل (فوات الاوان) اكثر والوقوع جماعيا في فخ (رثاء الوقت)!.

