Pdf copy 1

 علي حسن الفواز 
قد يبدو من السابق لأوانه الحديث عن حسم الملفات المفتوحة، والبحث عن سياق آخر للعلاقات السياسية بين دول الاقليم، بما فيها الدول العربية، لأن الكثير من التعقيدات لا تزال تشوب الأجواء، كما أن الحسابات الاميركية لم تتبلور بعد حول طبيعة ما يمكن ان يجري في المرحلة القادمة، وامكانية السيطرة عليه. ولعل ما جرى قبل أيام خلال اجتماع الجامعة العربية بوزراء خارجيتها – بناءً على الدعوة السعودية – يكشف عن حجم التدهور في العلاقات السياسية، وكم هي ملفات (المسكوت عنه) عميقة الأثر في المجادلة، وفي تضخيم صورة الخلاف السياسي والأمني بين الدول، والتي وضعت أغلب أوراقها في (الخانة) الإيرانية، وتناست أي وجه آخر للعدو التاريخي، وحتى لبعض المشكلات التي تواجهها العديد من الدول العربية. التصعيد السياسي، وطريقة إدارة الأزمة، وحتى تصريحات بعض وزراء الخارجية تكشف عن جهل غرائبي بالدبلوماسية، وعن سذاجة في فهم مرجعيات العلاقات الدولية، وحتى النتائج التي خرج بها المؤتمر الطارئ لا تحمل أي وعد حقيقي بمعالجة الأسباب، بل ذهبت مباشرة الى النتائج، والى الاصطفاف الاعلامي مع السعودية، وهو اصطفاف لا رهانات عليه، لأن العديد من الدول العربية الجائعة تذهب باتجاه (الدسم) ولا شأن لها بتوصيف الجبهة الايرانية، ولا حتى بأي احتمال للحرب، لأن من سيدفع فاتورتها السعودية لوحدها، والمثقلة بأعباء حروب وملفات مفتوحة وحسابات داخلية تقترب من الأزمة.. هذا التوصيف، والتجميع هو ما يدفع لتبرير فكرة التصعيد في اللهجة السياسية من وجهة النظر السعودية لتغطية الوجه الحقيقي للأزمة ولحرائقها، رغم أن القلق الأميركي يكشف عن حذر إزاء ما يجري، ويتبني قراءة عميقة للأحداث، والتي قد لا تكون تحت السيطرة دائما، إذ ستُفضي الى المزيد من الصراعات، وامتداد حرائقها الى العالم أجمع، مثلما أن قدرة دول الخليج المحمية من الغرب وأميركا ستكون محدودة جدا في مواجهة أية تداعيات تفوق طاقتها.
العراق والبعد الخليجي
الخطط الخليجية في التصعيد الأمني والسياسي تكشف عن أزمة عميقة في البيئة السياسية، مثلما تدفع بالأحداث باتجاه حسابات من الصعب ضبط معادلاتها، لا سيما مع ملفات بدأت تخرج عن السيطرة السعودية في اليمن وسوريا والعراق، وكأن ما جرى يسعى لإيجاد جبهة افتراضية لمواجهة احتمالات المستقبل، رغم ان هذه الاحتمالات لا يمكن الإتكاء عليها، فالحدث السوري سيذهب للمفاوضات، والى غير ما تشتهي دول الخليج، والملف اليمني سيظل جرحا عميقا في الخاصرة السعودية، والملف العراقي بات أكثر وضوحا مع الانتصارات العسكرية الأخيرة في الرمادي، وهو ما يعني سقوط الرهان على التقسيم الطائفي، لا سيما الاقليم السني، فأحداث الرمادي أحرجت الجميع، ليس على مستوى الانتصار العسكري السريع، بل على مستوى معالجة ملفات الاعمار والتأهيل واعادة النازحين، إذ ليس من السهولة وضع خطط سريعة لذلك، ولا حتى تأمين جهد دولي خليجي لإعادة إعمار المدينة التي تعرضت الى دمار كبير، وهو ما يعني تذمر الشارع السني من هذه المواقف التي ستحسب الامور بميزان المصالح، وبالمرجعات الامنية.إن الموقف الخليجي الهش من العراق سيكون أيضا باعثا على تداعيات خطيرة، لأن أميركا لا تريد وضع العراق في الخانق الضيق، ولا تريد أن يكون العراق ايضا جزءا من التحالف مع روسيا، وبالتالي ستجد أميركا نفسها أمام جغرافيا سياسية مسكونة بالازمات، ومفتوحة على احتمالات الحرب، وشيوع عنف طائفي يمكن أن يطال الجميع، ويمكن أن يجعل أميركا أمام حسابات أخرى.
الأزمة ومفاتيحها الضائعة
ثمة من يقول أن صناعة الأزمة، لا تعني بالضرورة حيازةً لحلولها، وامتلاك القدرة – وحتى التخيّل  كما في سرديات السياسة – على مواجهة تداعياتها، فالسعودية تدفع بالازمة الى السطح، وتركيا تبحث عن مكان يناسب حجمها الستراتيجي، والامارات تبحث عن مساحات أخرى للتصريف التجاري، وقطر لن تكتفي بتمثيل نزعة الاستعراض السياسي. كل هؤلاء سيجدون أنفسهم أمام حقل محروق، وأمام معطيات قد تدفع بالحليف الاميركي للتخلي عنهم بسهولة، مثلما تخلى سابقا عن الشاه، وحسني مبارك، وزين العابدين بن علي وغيرهم، لذا تبدو لعبة التصعيد، حد التجاوز على العقلانية السياسية نوعا من الانتحار، ونوعا من العصاب الذي سيفجّر المنطقة بكاملها، وسيجد الجميع أنفسهم أمام لعبة البحث عن (المفاتيح الضائعة) كما أن سياسة الإنهاك المتبادل ليست طريقا صالحا، وليست أفقا لفرض شروط السيطرة، فأغلب الدول تعيش مرحلة (الإعياء) ولا طاقة كاملة لها على المطاولة، ووهم الإدعاء كما يحاول البعض تسويقه سيكون مجازفة، وذهابا أحمقا للعدم، وربما سينعكس كثيرا على كل أفق التنمية التي تسعى دول الخليج للذهاب به بعيدا، فالحرب على وفق هذه الطريقة هي السلوك المضاد للتنمية، مثلما هو الممارسة الطاردة للاستثمار، ولاخضاع المنطقة للمزاج الطائفي، ولإعادة انتاج نوع من الداعشية التي قد تجهز على الواقع السياسي، وعلى ابراز أنيابها بوجه منظومته الحاكمة، وفرض أشكال معقدة من الحاكميات الممذهبة، والتي ستخسر كثيرا في  فرض شروطها على واقع متنوع وساخن وواقف عند حافة البركان.  

التعليقات معطلة