Feature

عارف الساعدي 
قبل اكثر من شهرين شكل ظهور الاساتذة الجامعيون في الشارع واحتجاجهم على تقليص رواتبهم محطة مهمة للرأي العام، وأصبحوا لمدة اسبوع أو أكثر، اللافتة الاكثر حضورا في الشارع العراقي، وفي الإعلام، كما إن عددا من زملائنا أصبحوا نجوما تلفزيونيين للمطالبة ــ طبعا ــ بإبقاء رواتب الأساتذة كما هي، وراحوا يهددون بغلق الجامعات، ومنع التدريس فيها، ويحرضون الطلبة على عدم الدخول إلى المحاضرات. حتى إنَ الحكومة أصبحت في وضع حرج للغاية، والحقيقة إنهم شكلوا ظاهرة لافتة للعيان، وأعلنوا عن أنفسهم بقوة، وأنهم بإمكانهم أنْ يشكلِوا رأياً عاماً في أية لحظة من اللحظات، والحقيقة من حق أي مواطن يشعر بالظلم، أو الغبن أنْ يحتج، أو يتظاهر، أو أنْ يعمل أي عمل سلمي لا يؤذي الآخرين، ولكنه بالنتيجة يعبر عن سخطه وغضبه.  وحين رأت الحكومة إنَ وضع الاساتذة معها على المحك، تنازلت عن الكثير من التخفيضات المالية، وإنَ نسبة ضئيلة ستستقطع من رواتب الاساتذة الجامعيين، وعلى الرغم من إني وبعض الاصدقاء في الجامعات العراقية، لم نخرج أو نتظاهر مع زملائنا على قضية الراتب ــ ولسنا في غنى عن الراتب طبعا ولكن لنا اسبابنا المختلفة ــ إلا إننا لم نعترض على خروج أي شخص للاحتجاج من باب ان مبدأ التظاهر حق يكفله الدستور، وفي الحقيقة – في سري – استبشرت خيرا، ذلك أنَ الصوت العقلي الذي يُعوَل عليه لبناء البلد والنهوض به بدأ يتحرك ويحتج ويحاسِب. لهذا قلتُ سيستمر غضب الزملاء، ويمتد إلى مطالب أخرى لا تخص مطالبهم الشخصية فقط، إنِما ستزحف مطالبهم وهمومهم إلى كل اجزاء الوطن المعتل، وسأرى عما قريب أساتذة أجلاء يتظاهرون على تفشِي الفساد الاداري والمالي، وسأرى عما قريب أساتذة أكفاء يتظاهرون على المحسوبية وعلى تدخل الأحزاب في الجامعات وفي مرافق الدولة، وسأرى ايضا أساتذة كبارا يحتجون بصوت عالٍ على الحكومة والبرلمان للضغط عليهما لبناء دولة مؤسسات لا دولة أحزاب وطوائف، وسأرى عما قريب أساتذة قديرين يصيحون بصوت عالٍ إننا موجودون كفى للطائفيين، كفى للقتلة، كفى لأنصاف المواهب أن تعيث بهذا البلد. وهكذا رحت أعلل نفسي بشتى الأحلام، والحقيقة انها ليست أحلاما، ذلك ان احد الاصدقاء عمل مجموعة على الواتساب «كروب» كلها من الاساتذة وهم بحدود 1000 أستاذا، وأضافني معهم وبدأت اتابع تعليقاتهم وحواراتهم، وكانت في أوج الحديث عن تقليص الرواتب، واذا بالاساتذة ينقضون على كل شيء، وفيهم عزيمة عجيبة، وحضور دائب في المظاهرات التي حصلت في باب الوزارة، او التي خرجت في ابواب جامعاتهم بل بدأت اقرأ للبعض منهم يطالب بأن يقطع الطريق العام، وان يعمل اعتصاما ويهدد باسقاط الحكومة والدولة ووو.  بعد اسبوعين بالضبط وزعت الحكومة الرواتب فلم ينقص إلا شيء يسير جدا منها، وإذا بالكروب يتعطل بالكامل، واذا بالاحتجاج يصاب بالشلل، واذا بالصوت العالي يزكم، والى الابد، وكأن العراق استبرأ من كل علله وامراضه، فلا صوت يرفع، ولا أستاذ يتظاهر، فيما المتظاهرون في ساحة التحرير وبقية المحافظات يواصلون احتجاجهم الاسبوعي دعما لبناء دولة حقيقية، وإبعاد الفاسدين الذين انهكوا هذه الدولة التي نحلم بها، أين أنتم أيها الأحبة؟ أسأل بحب، وكلكم زملاء لي، ألا يجدر بكم الآن أن تتصدوا لكل مظاهر الخراب بهذا البلد وترفعوا اصواتكم عاليا بدلا من ان تكتفوا بالمطالبة بالحفاظ على رواتبكم فقط، ـــ وهو مطلب شرعي بالتأكيد ــ؟ ولكن أليس من الاولى أن تستمروا باحتجاجكم وتواصلوا مسيرتكم السلمية لعلاج ما يمكن علاجه لهذا الوطن المكلوم؟.
 هي اسئلة تراودني كثيرا اضعها بين من يدعي انه هو النخبة وانه عقل الدولة، فالنخبة عليها ان تنزل الى الشارع وان لا تكتفي بالتعليق من بعيد، او ان تنزل لحظة يتعرض بيتها فقط للغرق، فكلنا في مركب واحد.

التعليقات معطلة