Pdf copy 1

علي سعدون 
ما الذي يمكن ان نستخلصه من التوتر الاخير في العلاقات الخليجية الإيرانية؟ وبالطبع هذا التوتر لا ينسحب على كل دول الخليج، لكن هذه الدول ستخضع بشكل أو بآخر لمزاج النظام السعودي بسبب تأثيره الكبير والتقليدي على دول المنطقة، وبسبب الحماقات التي ارتكبها هذا النظام والتي وصلت ذروتها في العقد الاخير من خلال إصراره على لعب دور (الزعامة الزائفة) التي لا يجيدها ولم يكن مهيئا اصلا للعب مثل هذا الدور المركب والصعب للغاية، لمحدودية قدراته الستراتيجية والبشرية وخبرته البسيطة في ارهاصات الصراع الدولي والإقليمي. 
لسنا معنيين هنا بالتقليل من قدرات الدول المحيطة بالعراق بما في ذلك المملكة العربية السعودية، لكن المنطق الذي يحكم على التجارب المتعددة في تاريخ المنطقة، سيشير الى ضعفها وقلة خبرتها وصولا الى طبيعة نظامها السياسي الوراثي والعائلي والتقليدي الذي لا يقيم وزنا للكفاءة ولا الخبرة ولا المهنية في وقت تتعاظم فيه الاحداث والوقائع وتتطلب انظمة تتمتع بقدر كاف من الشرعية والرصانة والقدرة على استشراف المستقبل لمواجهة التحديات الدولية الخطيرة التي تعصف بالراهن العالمي عسكريا واقتصاديا، اذ يتطلب مثل هذا الحال وجود الحكمة والرؤية الصحيحة والدقيقة لمعالجة المواقف المختلفة والوقوف على الحلول الناجعة التي تخدم مصالحها ومصالح المجتمع الاقليمي والدولي، الامر الذي لم يتحقق في السياسة السعودية غير الناضجة وغير المنضبطة وغير البريئة في تعاملها مع الملفات الساخنة في الساحة العربية. 
يبدو ان الحديث عن توصيف السياسة الخارجية التي تتّبعها المملكة السعودية، سيبقى ناقصا وغير مهم ما لم يكن مشفوعا برؤية مسوغات تردي واقعها السياسي ودورها التخريبي الذي يسعى وبشكل مفضوح لإنعاش الارهاب وعصاباته وجعله اكثر قوة ومقاومة ووحشية حيال الشعوب المغلوبة في المنطقة، فضلا عن رؤيتها الرسمية (الطائفية) التي صارت مثار سخرية العالم كله بعد ان كشفت اوراقها السرية وباتت في مهب ريح الفضائح التي تبدأ ولا تنتهي.  فالنظام السعودي في موضوعة التعليم – مثلا -، قد امضى اكثر من ثلاثة عقود في تأسيس مدارس طائفية تجوب اصقاع الارض من مشارقها الى مغاربها لتعليم الفكر الاصولي المتشدد الذي يكفّر الانسانية والحياة المدنية ولا يعتد بقيم انسانية وثقافات متعددة تحكم العالم، انما يرى العالم بصورة العدو وبالتالي فان هذا الفكر الاصولي يتحين الفرص للانقضاض على المشروع الانساني الحضاري الكبير، الامر الذي انتج اليوم اجيالا من المتطرفين والإرهابيين والقتلة بعد ان تم اخضاعهم لعمليات غسيل الدماغ من خلال هذه المدارس التي وجدت في التردي الفكري والخواء المجتمعي والبطالة التي تعانيها المجتمعات العربية، فرصة لممارسة انحطاطها على هذا النحو المخزي، وبتمويل وتخطيط طائفي من رجالات المملكة غير الناضجين.
فضلا عن ممارسات الاقصاء وإشاعة التخلف والبلادة وتكميم الافواه التي تساهم في ديمومة بقاء هذا النظام السيئ للغاية متسلطا على رؤوس المجتمع في شبه الجزيرة العربية. وما جريمة اغتيال العلامة (النمر) إلا واحدة من براهين الاقصاء والتهميش ومصادرة الحريات وإخضاع المجتمع بالقوة لإرادات العائلة الحاكمة.     
وهي جريمة تتكرر على الدوام في الانظمة الشمولية والديكتاتورية، اعني الجريمة التي ترتكبها هذه الانظمة بسبب رأي مناهض او معارضة فكرية ومعرفية لا تتجاوز الكلام المكتوب او المسموع ولا تتعداهما لأبعد من ذلك، وما اقدمت عليه العربية السعودية مؤخرا في جريمة اعدام العلامة (النمر) بسبب تصريحات للأخير تطال رموز السلطة الحاكمة وتنتقد علانية سياساتها المبنية على التهميش والإقصاء ومن ثم تعطيل قدرات فئة واسعة من فئات المجتمع هناك، إلا تعبير حي عن انحطاط ووحشية هذا النظام.  في الحقيقة ان العالم يشهد اليوم انحسارا كبيرا في موضوعة معاقبة الناس على ضوء ما يؤمنون به من افكار وتطلعات ومواقف، وإن حدثت هذه المعاقبة في دولة من دول العالم الثالث فهي ستشير الى بقاء المنظومة الثقافية للحكام والمتنفذين بصورتها القلقة القديمة والجامدة، بعد ان عبر العالم كله الى الضفة الاخرى من الصراع السياسي الذي يعمل فيه الاقتصاد بالدرجة الاولى ببلورة الرؤية التي يمكنها ان تسود في ادارة البلدان، وليس الصراع الذي يتسبب فيه الهتاف والمعارضة في التعبير عن الوجود الانساني ويأخذ حيزا لا يستحقه من رد الفعل الانتقامي الذي غالبا ما تقترفه الانظمة الغبية، وعليه فان العالم اليوم ينظر الى تبعات مناهضة الرأي بعين المنطق وعين الحرية والوعي الذي تتبادله السلطة مع مواطنيها، بل ويعد ذلك من ابسط مقومات الحياة الحقيقية التي يتمتع بها المرء في دول تحترم حقوقه ووجوده.

التعليقات معطلة