عبد الرحمن عناد
مثل الاستشراق منذ قرون ، وبالذات مطلع القرن العشرين ، توجها فكريا متعدد الوجوه ، للتعرف على بلدان المشرق عامة ، والبلدان العربية بالذات ،وانضمت ضمن هذا الإطار ، مجموعة كبيرة من المختصين الأوربيين ، في اللغات المشرقية والأديان والتاريخ والآداب وغيرها . وتنوع هذا الاستشراق ، بين مبشرين قساوسة ، وأساتذة تاريخ ، وعناصر مخابرات ،ومنقبي آثار ، ومن خلالهم وعملهم وكتاباتهم ورحلاتهم الاستكشافية والبحثية ، نشأ علم الاستشراق ، حيث تبلور مصطلح ( مستشرق ) في اللغة الإنكليزية عام ١٧٧٩ ، ودخل المفهوم المعجم الفرنسي عام ١٨٣٨ ، وعرف على وفق المنظور الإنكليزي ، وحسب قاموس أكسفورد على انه : ( التبحر في لغات الشرق وآدابه ) ، وعرفته موسوعة لاروس : ( العالم المتضلع في معرفة الشرق وآدابه ) ، وكان بهذا أوسع مفهوما ودلالة فعلية . المهم في الامر ، ان المستشرقين هؤلاء ، قد عرفوا عنا الكثير ، ونقلوا الى مراكز البحوث والقرار في بلدانهم ؛ ما عرفوا عنا ، ليسهل التخطيط والاستعمار ، وكان المستشرقون على تصنيفاهم السالفة ، يمثلون أدوار ( الرواد ) او ( الطليعة ) لجحافل الاستعمار العسكري والغزو الثقافي ، وتمهيد الطريق أمام بلدان اوربا المتقدمة ، الى الشرق الذي كان يعيش تخلفه .
وفي حين تتواصل عملية التحدي والصراع ، مع نزعة الاستغلال التي تمظهرت بأشكال جديدة : تحالفات ، قواعد ، اتفاقيات ، مشاريع تبدو بريئة ، ضمان وجود وأمان لأنظمة ، فأن ما يفترض بنا ، هو ان نستعير الاستشراق كفكرة وتجربة ووسيلة ، لا كتقليد فج ، وهذا غير ممكن مع التطور ، ولكن ما يبلور عندنا على الأقل إمكانية فهم الآخر ، الغرب الذي تربطها به علاقة ود مفقود ، وتراث من الاستغلال والألم ، لأكثر من قرن مضى ، رغم ما يظهر من محاولات تقارب وإفادة ودعوات للاعتذار من قبله ، وان نحاول ان نقوم بعمل مشابه ، ليس بالضرورة استنساخ شائه ، ولكن من داخل محيطنا نفسه ، وان لم يكن ذلك بفعل رسمي ، فعلى الأقل من الطاقات والإرادات الوطنية القادرة ، فحين جهد المستشرقون وخاطروا واستغرقوا أوقاتا طويلة وصعبة ، وبوسائل تعرف واتصال متخلفة ، فأننا اليوم مطالبون بمتابعة هذا الغرب ، في تفكيره ومخططاته ووسائله وغيرها مما ينضح عن عقله في مراحل تطوره ، والكف عن تقليده شكليا والتأثر السلبي به ، إفادة مما هو متاح من منجزات حضارية وتكنولوجية ، وتأسيس مراكز بحوث وتعرف ، وتشجيع الدراسات الأكاديمية فيه وعنه ، ومتابعة أفكاره ومدارسه ومخططاته وإعلامه ، وصولا الى تأمين خزين معرفي عنه ، او بنوك معلومات ، تكون بتصرف من يرغب او يستطيع الإفادة منها : أصحاب قرار ، هيئات دبلوماسية ، اتحادات مهنية ، منظمات مدنية ، بمعنى ان نجعل حركة هؤلاء على دروب ممهدة ومضاءة ، دون تجريب وتبديد جهود ووقت ، يكاد – للاسف – ان يكون ضائعا بالنسبة لنا ! !