سمــــــر الزّعبي
سيّر جيشه، تسلّق الجدران، وشاركنا الأطعمة، كأنّه الجائزة المجانيّة التي تقفز بوجهك كلّما فتحتَ كيس السكر، أو الطحين، أو السميد وغيرها. كم مرّة قلت لأمي أن تشتري علباً نحفظ بها المونة، لكنها تتأفّف، وتنهرني لكثرة المصاريف والمتطلّبات.. وترضى بجلوسها على الدّرَج يوميّاً مع الجارات، اللّاتي ينقّين العدس والفريكة، بينما تنقّي هي كيس السكّر أو غيره من النمل، بعدما تفرده في صينية.
لم أضرب أيّ نملة من ذلك الجيش، كنت أترك الواحدة تلقف ما تشاء أمام ناظريّ، ثم ترحل بسلام. فمشكلتي ليست معها شخصيّاً، بيتنا المتهاوي من سمح لها أن ترتعَ في الثقوب، وتُقاسمنا الكلأ بلا هوادة.
ولمّا تغزو كيس السكر بأعداد كبيرة، لا أسكب فوقه الماء وسط المجلى، كما يفعل إخوتي، بل أنقل الكيس بما فيه خارج البيت، كي تحتفل بما غنمت بسلام، إلاّ إذا شاركتها حشراتٌ أخرى، فلا حيلة لي.
كم أنا لطيف!
حتى أنّي أستغرب من “طولة بالي” لمّا أقف منتظراً حضرتها تجري بسرعة على الغاز، تفرّ من النار، فيكون الحال كالآتي:
أطفئُ عين الغاز، تتناثر وتتصادم هروباً، تختفي كلها، ثمّ أعيد تشغيلها.
ياااه.. كم أحترم نفسي تلك اللحظات.
فمشكلتي ليست معها، بل مع أبي الذي هجر المسكينة وبرقبتها عشرة أولاد، أنا أكبرهم، وتزوّج من حبيبته “الخمرة”.. مصروفها يعدِلُ مصروفنا، فكان عليه أن يختار.
أمّا أنا، فلا خيارَ لديّ أنْ صِرت صبيّاً عند أبو موسى النجّار، صنعةٌ تطعمك الخبز، لكن لا تكفيك شرّ من يزاحمونك عليه.. فلحق بي اثنان من إخوتي، كلٌ يجيد صنعة.
كأنّ المرض والفقر متلازمان يتقاطعان، فتعدُّ هزائمك؛ صغيرَها وكبيرها، ثم تربط عليها بقجة المتلازمَين بصمت. فلم تكن ضرّة أمي، شبه “المعلّقة”، سبباً في مرضها، فحُبّ أبي ذوّبته الأيّام، هو الفقر من زادها إعياءً بإعياء.
رغم ذلك أحبّت أن تدلّلني ذات يوم، وتقيم لي حفلة عيد ميلاد، اشترى إخوتي البالونات، من مصروفهم المدرسيّ، وتكفّلت أختي الوحيدة بالشمع، أمّا أمّي فصنعت الكيكة وزيّنتها بالكريمة والبسكويت.
.. كيكة بالكريمة في بيتنا!
صنعتها باكراً، وظلّت تنقلها من مكان لآخر كلّ حين، حتى لا يحفظ لها النمل مكاناً، غطّتها جيّداً، وحرصت على ألاّ تترك أيّ مُتَنفّسٍ للهواء تشقّه نملة، وضعتها فوق صحن قلبته على وجهه في وسط صينيّة بها ماء قليل. ولمّا رجع إخوتي من المدرسة، “طلّعوا روحها” بأسئلتهم حول موعد عودتي من الدوام، ثمّ أخذوا يطالبونها أن تطعمهم ولو قطعة صغيرة، لدرجة أنها فكرت أن تودعها “ثلاّجة” الجيران، لكن تخيّلت تذمرهم، فاختصرت، ولمْ تنتبه لجفاف الماء حولها.
أذكر تماماً أنّي تمنيت من “كلّ عقلي” أن تقيم لي حفلة عيد ميلاد، وطلبتُ منها بإلحاح، رغم أنّي صرت رجلاً، وربّ أسرة عمره أربعة عشر عاماً.
“عيب عليك”.. هكذا ردّت أوّلها، لكن لمّا تلمّست غيرتي من صديقي وجاري وزميل صفي سابقاً، الذي أُطلقت الألعاب النارية في حفلة عيد ميلاده، ودُعيَ الجيران كلهم لها.. قرّرتْ أن تفعل.
وقبل المغرب؛ كانت الغرفة نظيفة، والأرض تلمع، والبالونات تزيّن الجدران، و”الجِلي” كخيام الياقوت، منكفئ فوق الصحون، والشموعُ الرّفيعة الملونة تخترق وجه الكيكة.
ولمّا بدأنا الطقوس الرسميّة، وقسّمت أمي جسدَها، ثارت ثورة النمل، واندفع خارجها مرة واحدة. بكى الصغيرُ بشدّة من فزع إخوتي، وحاولتْ استخلاص جزء له، لكني انتشلتها عن الطاولة المستديرة، قصيرة القوائم، ثم ألقيتها خارجاً، ودُسْتُ عليها.. ودُسْت. وكومةُ لحمٍ تجمهرتْ مذهولةً عند الباب، أمّا الصغير فوقف يلعق أصابعه من آثار ما أكَل، ونملةٌ تحاول الخروج من تحت اظفره.