ناصر رباع
يقول باشلار عن تشكل التعبير الشعري والصورة الشعرية ..هي بروز متوثب ومفاجئ على سطح النفس ، لا تخضع لاندفاع داخلي وليست صدى للماضي ، فمن الصعب معرفه على أي عمق يتم رجع الأصداء وكيفية تلاشيها …جميل فلنرى مثال حي
.تتراقص الألوان..
تتراقص الألوان في لوحتي
الأسود يحجبُ الأبيض…
يرسمان ثنائية الفراغْ
ينحني الأصفرُ على الشمس،
يستقي من الضوء حمرتَه،
تتوهّج الأرضُ،
ترمي حمولَتها ،
تنتفض بركانا يملأ الحجبَ
هو المفتاح الأول العنوان تراقص الألوان رسمت الشاعرة بالحرف لوحة ليس مطلوب فهمها لأنها تهيؤنا لإيحاء مرتقب لوحة عميقة برموز ضخمة بدءاً من الأسود حتى الأبيض رأس النقيض مساحة شاسعة لا شك بينهم وكل منهم له دلالاته يرسمان ثنائية الفراغ ما عادا يشكلان فارقاً فالحياة عادت ترى بهذين اللونين لكن لما كل هذا الحزن تساؤل واستشعار لحدث جلل ينحني الأصفر على الشمس يستقي من الضوء جمرته تتوهج الأرض ترمي حمولتها تنتفض بركاناً يملأ الحجب أنها تصف لحظة البوح لحظة عصف بالذاكرة هبت الذكريات وماج الحنين واشتعل النبض .. ماذا أرادت شاعرتنا لكن قبل ذلك لنطرح مصطلح نظام الأصوات إنه باقورة الإيقاع ضروب الترجيع والتكرار والوقفات والتردد والعلو والدنو ومؤثرات أخرى قد لا تحضرني جميعها هنا نطقت واهتز الوتر وبدأت بذبذبات تشنفك بكليتك ماذا هناك أي خبر يعتمل خلف هذا البركان …
عنبٌ يبشّرُ بصمغي بين نهديك
يرميني الحنينُ على ترابك البنيّ ،
ترشفني الشمسُ نبيذا تعتّق…
أيّتها الأرضُ! ياأمّنا الكريمة !
هل تحفظين” أغية الحياة “؟
فذي رفاتنا تحضنك
تملؤك…
وذا ملحنا منثور فيك،
يملأ زرقة البحر ،
يعانق السماءَ سرابا …
تمتزج الألوان في لوحتي
إذن هو الوطن وآلامه والحنين لأمنه وزهوره ليسترد جماله ثانية .. الشمس نبيذ معتق انزياح شعري قد يرفضه البعض لكنني أثبته بصيغه المتعددة والمتوائمة مع الدلالة الفكرية لتستقيم القراءة ننوه إلى أنه كل المؤثرات المحدثة بذبذبات جميعها إذا ما تناغمت ووظفت ووضعت في نسق يحتويها يقدمها كلحن متواصل هذا يؤكد الموسيقى المقيسة وفق نظام إيقاعي آخر جديد مصدره إيقاع الحياة ونبض الشاعرة دون صورة سابقة له ..ذلك يجعلنا ندرك شاعرية القلم الصوتية التي تلتزم في صياغتها اسلوبين التناغم والانسجام ليغدو نصاً يشاهد ويقرأ ويسمع نعود لنص الشاعرة نجدها كثفت الرؤية واستعارات بفن وتداخلت بتراكيب لفظية باحتراف يثبت الشعرية فالنقد أتى ليحقق غاية الشعر وليمنح جوهره عناوين ومسميات فالشاعرة قدمت وتركت مساحات للنقد ليقدم جوهر الشعور بحسب تجربتها الشعرية لغة شعرية ذات مرونة منسابة بشكل خلاب هذا الوطن في قلب الشاعرة بمعانيه البعيدة التأثير بجراحه بفرحه بأحزانه نحن الرفات التي يدفن بها الوطن اذا متنا او غبنا لمآرب دنيوية عنه وهو رفاتنا ومبتغانا إذا خيرنا يوما فهو مأوانا إذا كنا أحياء أو أموات هو مهد نشأتنا مسقط الرأس هو بقلوبنا والعالم كله نحن بفلبه الوطن أم الحياة ثم الحياة هي الأم الرؤوم بالوطن حوار أخاذ توارد بلغة مرتبة انيقة رشيقة تتابع تجده سيل جارف استعارات بلاغة
توهج كل ما يجعلنا على موعد مع الدهشة حتى الخاتمة تجده إذا ما تراقصت الألوان ورصدتها العامرية إنها شاعرة ذات رؤية فلفسية تصل بمقاماتها حد التصوف وأحيان تسرد وهذا يؤكد انسكابها الشعوري حين بوح إنها وميض مكثف
فذي رفاتنا تحضنك
تملؤك…
وذا ملحنا منثور فيك،
يملأ زرقة البحر ،
يعانق السماءَ سرابا …
تمتزج الألوان في لوحتي
تعانق نغماً
تطفو ،تتحفز ،
تثبُ خيولا على ورقي ،
تسابق الزمن…
وانا امراةٌ ترسم تفاصيل أنوثتها
لأنتفض في وجه سجّاني
أنا العرفُ أرهقني
أنا الغبن أضناني
سأنتفض _وإن على ورقي _
لأرسم فجر أيامي ..
قررت الشاعرة أن تنتفض وتنطق تصور فهي الوطن أولا تلك حقيقة فنحن نمنحه معانية الإنسانية وبعده المعنوي والشعوري الوطن مكانه لا يتحرك ولا يسرق ولا يذهب باقي متصنم نحن الوطن محبتنا له جعلته وطناً لا يموت حي بقلوبنا بالشعر نوثق حروف اسمه بملحنا المنثور فيه هذا البحر الذي تراه من السماء أنا أرسم زرقته بلوحاتي وفصائدي بالوفاء له بإخلاصنا والإنتماء له بموتنا من أجله وهو أعلى جهاد بذل النفس سنحارب كل من يغتصب ابتسامته بكل قوة كذا يصبح وطناً كما دائماً نؤكد أن الشاعرة لديها سبق حسي وقد قلقت وأقلقتنا ودقة ناقوس السؤال وظلت مثابرة على أنه بالوطن يكمن فجر أيامها خاتمة موفقة حوت خلاصة كل ما قيل ورثتنا دهشة وتنهدنا الوطن وظل هو الأمل من بعد الله ..لنؤكد أن قصيدة النثر من الضروري أن تكون منسابة لا نتوقف اثناء القراءة إلا في اماكن محددة متزامنة تترك وميض مكثف جدا لكأنها خلقت خارج الزمن .خلق وابتكار لغة شعرية جديدة أكثر مرونة وتنويع بتكثيف الرؤية وترك بصمة روحية يموج بها الخيال تهز الضمير برجفاتها تزود النثر بإيقاع في قصيدة جيدة مرصوفة بتراص وبناء إيقاعي محكم جميل خلاب من خلال حاجة لشق طرق صورية بهندسة وحكمة ..هنا قصيدة جميلة وارفة الإحساس والألق كيف لا والعامرية قلم خاض غمار الكلم وحقق اختلاف وقدم الكثير ولا زال يقدم تحايا وزهور لقلبها الشاعر أخيتنا الفذة الشاعرة العامرية سعد الله استمتعت لمثولي بين حروفها وقد أضفت لي الكثير من تجربتها ..وللحقيقة هناك الكثير يمكن أن يقال ولككنا بلغة بسيطة بعيدة عن المصطلحات المعقدة والفلسفية اوجزنا جماليات النص وكشفنا عن مكامن ابداعاته وشكرا ..ناصر رباع