سامانثا بيرسون
إيسلا دي ليون، أحد الأحياء الفقيرة في ضواحي كارتاجينا على الساحل الكاريبي لكولومبيا، تعتبر درسا في كيفية تصنيع ونقل فيروس زيكا الذي ينقله البعوض. أكواخ متداعية مع أرضيات ترابية، وجدران خشبية ملتوية وأسقف الزنك التي تحد الشوارع غير المعبدة. في موسم الأمطار، الظروف تشبه المستنقع الذي شيد عليه الحي.
تقول إنجريد تورديسيلاس، 24 عاما: “بالطبع البعوض هو المشكلة، وخصوصا في الليل”. هناك لافتة تشير إلى برك من المياه الخضراء التي تكتنف منزلها، حيث يراوح الذباب بين سطوحها.
وهي عانت بالفعل ثلاث هجمات لفيروس زيكا، وأصيب اثنان من أطفالها الثلاثة بالمرض من الفيروس، الذي تم ربطه بتشوهات خلقية ومشكلات عصبية لدى البالغين.
عبر غابات الأمازون المطيرة على الجانب الآخر من القارة، البرازيل تعد العدة بتجهيز 220 ألف شخص من أفراد القوات المسلحة لمحاربة معركتها الخاصة ضد زيكا، بعد أكثر من 4000 حالة من حالات ضمور الرأس – الأطفال الذين يولدون مع تشوه، برؤوس صغيرة – سجلت في الأشهر الأربعة الماضية.
الوباء الناشئ، الذي انتشر في 23 دولة في الأمريكتين، جاء في أسوأ وقت بالنسبة للقارة. أمريكا اللاتينية، التي تعاني نهاية قيادة الصين للدورة الفائقة للسلع الأساسية، وهي متَّهمة بالتباطؤ في مكافحة الفيروس الذي حذرت منظمة الصحة العالمية هذا الأسبوع، من أنه كان ينتشر “بشكل انفجاري”، ويمكن أن يؤثر فيما يصل إلى أربعة ملايين شخص في الأمريكتين.
في البرازيل، التي انطلق منها تفشي الفيروس في المنطقة والبلد الأكثر تضررا، يقول النقاد إن عدم قدرة السلطات على الاستجابة بسرعة عن طريق اتخاذ تدابير تنسيقية بسيطة، مثل فحص للمياه الراكدة في المنازل لم يؤد إلا إلى الكشف عن المزيد من الشلل السياسي والاقتصادي.
قبل بضع سنوات كانت البرازيل، أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، جزءا من الحل للعلل المالية العالمية، ونموذجا في مكافحة الأوبئة بعد برنامجها الناجح لفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز في التسعينيات.
على أن هذين البعدين يعتبران الآن جزءا من المشكلة، كما يقول باولو سوتيرو، مدير معهد البرازيل في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين.
ويقول سوتيرو: “البرازيل تواجه كارثة اقتصادية من صنع يديها، التي من الواضح أنها تقلل التمويل للرعاية الصحية، فهي تقوم بنشر الموارد المتاحة، بما في ذلك القوات المسلحة، لكنها تواجه صعوبات في تسخير قدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية”.
“بدلا من تقديم الحلول، أصبحت البرازيل بؤرة لمشكلة يمكن تجنبها عن طريق استخدام الاستراتيجيات الوقائية الأساسية على مستوى المجتمعات المحلية، وذلك بالتنسيق مع الوكالات في البلديات وفي الولايات وعلى المستوى الفيدرالي”.
وزارة الدفاع البرازيلية أعلنت فقط خطة شاملة لمكافحة الفيروسات، بما في ذلك نشر الجيش والبحرية وسلاح الجو.
أثبتت بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى أنها بالقدر نفسه لا حول لها ولا قوة في مواجهة انتشار الفيروس السريع، واللجوء إلى حظر هزلي إلى حد ما على الإنجاب.
في السلفادور، حثت الحكومة النساء على تأخير الحمل حتى عام 2018. في كولومبيا، التي لديها معدل إصابة بزيكا هو ثاني أعلى معدل بعد البرازيل، اقترحت وزارة الصحة على الأزواج الامتناع عن الحمل لمدة ستة أشهر.وأصدرت جامايكا نصيحة مماثلة. في أمريكا اللاتينية، وهي القارة ذات الأغلبية الكاثوليكية التي يحظر فيها الإجهاض، وسائل منع الحمل ليست دائما متوافرة بسهولة إلى حد كبير، من هنا فإن هذه تعتبر استراتيجية ساذجة في أحسن الأحوال، كما يقول نشطاء.
في ريو دي جانيرو، تضع السلطات ثقتها بالطقس. خلال أقل من 200 يوم من المتوقع أن يتدفق على المدينة أكثر من مليون سائح لحضور دورة الألعاب الأولمبية. وفي حين يقول المنظمون إنهم يفحصون الملاعب الأولمبية يوميا للعثور على انتشار البعوض، يأملون في أن يساعد الطقس الأكثر برودة وجفافا في آب (أغسطس) أيضا.
وكما يقول إدواردو بايس رئيس بلدية ريو دي جانيرو: “أنا قلق، ليس فقط حول الألعاب الأولمبية، ولكن حول المدينة وقلق من أجل البرازيل”. ويضيف: “على أن الأولمبياد يأتي في وقت عندما يكون الطقس أكثر جفافا، وليس في فترة انتشار عالية لتكاثر البعوض”.
دورة الألعاب الأولمبية ليست مجرد مصدر قلق لريو، بل بالنسبة لأي بلد يسافر إليها مواطنوه لحضور الحدث. ويقول ويلسون سافينو، الباحث في مؤسسة أوزفالدو كروز في البرازيل، يغلب على ظن الباحثين أن فيروس زيكا، الذي اكتشف لأول مرة في أوغندا عام 1947 وصل إلى البرازيل قبل عامين فقط، مع تدفق السياح لنهائيات كأس العالم.
ربط العلماء زيكا بصغر الرأس، ولكن ليس من الواضح حتى الآن أن الفيروس وحده هو المسؤول عن الاندفاع في حالات العيوب الخلقية. وتزايدت المخاوف أيضا عبر ربطه مع متلازمة جيان باريه النادرة، التي يمكن أن تسبب الشلل.
يقول سافينو: “هناك أمران لا يزالان مجهولين بالنسبة للجميع: لماذا (زيكا) ينتشر بهذه السرعة الكبيرة .. ولماذا في البرازيل هناك مثل هذه الزيادة في حالات ضمور الرأس. هذه قضية صحية جديدة تماما لكوكب الأرض، لم يكن بمقدور أحد أن يتوقع هذا”.
وأضاف: “الشيء الأكثر أهمية هو ألا نقول إن الأمر استغرق وقتا فوق الحد (للتعامل مع اندلاع المرض).. هذا يعتبر مشكلة صحية عالمية، وتتطلب التضامن والتعاون”.

