جمال جاسم أمين
– 1 –
تشتغل أسئلة البحث عن حلول للمشكلات التي تعصف بالبلد بطرق شتى وأغلبها يحتاج الى فحص وتدقيق كي لا تأخذنا البلاغات السياسية بعيدا عن الواقع المراد تغييره نحو الافضل ولذا فان تعبير (حوار الحل) يحمل اشارة واضحة الى حقيقة ان هذه الحلول المرتجاة ليست وصفة جاهزة او خطاطة على الرف بمجرد ان نفتح دفتيها يشتغل السحر الكامن فيها انما هي حوار ينبغي ان يتفاعل على اكثر من صعيد ويشتغل في فضاء أفق وطني مخلص لا يستسيغ التسويف او التأجيل بل ينظر الى فداحة الخسائر والتضحيات التي نذرفها بمرور الوقت ولذا فعلينا ان نجمل تنبيهاتنا بنقاط واضحة وصريحة:
1- علينا ان نتساءل اولا: هل ان المشكلة عراقية محضة أو (فنية) ادارية تتعلق بنوع النظم والسياسات الخاطئة التي أوصلتنا الى لحظة ازمة من هذا النوع ام انها اكبر من هذا التوصيف؟ يحمل السؤال اشارة الى العامل الاقليمي والدولي الذي لا يمكن عزله عند النظر لأصل المشكلة، الامر الذي يتطلب التفكير جديا بكيفية تقليل وتحجيم دور هذا العامل بالتأثير على المشكلة العراقية الراهنة. قد لا نختلف على حقيقة ان العملية السياسية الجارية ما كانت لتكون لولا التدخل الدولي ونعني بذلك اللحظة التأسيسية الاولى بعد 2003، عند دخول القوات الاجنبية وفترة الحاكم المدني (بريمر) وحزمة قوانينه التي لا يزال بعضها ساريا حتى هذه اللحظة، هنا نتساءل مجددا: أليس بالامكان صياغة لحظة اخرى خاصة بعد مرور كل هذا الوقت؟. 
2- نعيد النظر مرة اخرى الى الفاعل الداخلي: الانقسام السياسي الذي كرس انقسامات اجتماعية تصعب معالجتها بسهولة، ويقظة التصدعات الاجتماعية وعبورها بقوة الى مؤسسات الدولة الناشئة الى حد التناقض بين انساق الدولة ومضاداتها، واستفحال طبقة واسعة من النفعيين والطارئين على السياسة، وهو الامر الذي وسّع رقعة الفساد المالي والاداري الى الدرجة التي اسهمت كثيرا في تكريس مشاعر الاحباط العام التي عززها مؤخرا العامل الاقتصادي وما ترتب على هبوط اسعار النفط، هذه التنبيهات تدير دفة النظر للتفكير جديا بالكثير من الممكن الذي فاتنا خاصة وان السياسة كما يطلقون عليها هي (فن الممكن)، ما يعني ان بإمكان الكثير مما حدث ان لا يحدث! وهذا الامر يدفعنا للتساؤل: ما جدوى هذه الترنيمة التي نرددها؟ كم سنستفيد منها في صياغة رؤية عابرة للاخطاء وهل سيسمح (أعداء الحل) كما أسميناهم في اكثر من مناسبة بمنحنا فرصة حقيقية لاعادة الامور الى نصابها ولو بعد فوات الكثير من الوقت؟.
3- يظهر مما تقدم اننا نحتاج الى مؤسسات حل لا الى افكار نظرية متناثرة هنا وهناك، هذه المأسسة هي القادرة على ربط الفكرة بالإجراء او الواقع بغية المعالجة او تقليل الضرر الى الحدود الممكنة، نعم نحتاج الى ورش حوار، رؤى وافكار، مؤتمرات ومراكز بحوث جادة لكننا نحتاج بالدرجة الاشد الى حزمة قرارات وتشريعات ضاغطة وفورية لا تحابي ولا تساوم، هذا الحلم او الوعد لن يكون في غياب الاصلاح السياسي الجاد والحقيقي الذي ينقلنا من ثقافة الكتل والاحزاب الى ثقافة الدولة.
– 2 –
ينظر الكثيرون اليوم الى نصف الكأس الفارغ كما يقال، الى العثرات التي تزدحم على الطريق فيلجؤون الى أسوأ الحلول او ما يطلقون عليه (الحل الشخصي) ويقصدون بذلك التدابير التي يتولاها الناس لتأمين حياتهم ومتطلبات مستقبلهم المهدد سواء بالعزلة عن التفاعل مع المشكلة ومواجهتها او (الهروب الى امام) كهجرة الشباب على سبيل المثال للبحث عن فرص افضل خارج وطنهم ولا ننسى من أثرى على حساب المجتمع مستفيدا من طرق الفساد المنتشرة على اعتبار ان هذا الإثراء الفاسد هو جزء من حلّه الشخصي كما يعتقد! متناسيا هذا الصنف من الناس أنه ساهم في تعميق المشكلة باختياره طريقا أنانيا لن يجديه يوم يغرق البلد كله بطوفان الازمة التي لن ينجو منها احد، لكن ضيق أفق هذه النماذج الطفيلية يسوّغ لها الفساد على انه حل!.
 ما يعنيا هنا هو ان ننقذ حوار الحل من ضيق الافق هذا، من الانانية الفجة الى الوطنية الرحبة التي تضع مصلحة المجموع فوق أية مصلحة اخرى ولن نضمن مثل هذا المسعى إلا من خلال لغة مكاشفة نزيهة ومؤسسات شفافة ونخب مخلصة في سعيها لخدمة الناس وإنقاذهم من وهدة الاحباط واليأس. نحتاج خطوة جريئة وصدمة منعشة تنبّه وتضع خطاطة حلول واقعية وملزمة.

التعليقات معطلة