تيم هارفورد من لندن
أُبلِغتُ أخيراً عن مهبط طائرات بالقرب من منشأة لطباعة أوراق البنكنوت. كل يوم، تُقلع الطائرات، محمّلة بالنقود. كان الأمر: أنه إذا وقفت في حقل معين بالقرب من مهبط الطائرات، فبإمكانك التقاط الدولارات أثناء نزولها البطيء إلى الأرض، أو التقاط حفنة منها من التربة. في المتوسط، مليون دولار يومياً كانت تُرفرف إلى الأسفل.
وسرعان ما انتشر الأمر. قبل فترة ليست طويلة، أصبح الحقل مليئاً بملتقطي النقود، يتسابقون ويتدافعون مع بعضهم بعضا للحصول على النقود. بدأ الناس بجلب شبكات اصطياد الفراشات. والسماء كانت مليئة بمركبات جوية دون طيّار تندفع في جميع أنحاء المكان لانتزاع النقود من الأعلى.
إذا كنت تتساءل أين يكون هذا الحقل، فلا تفعل. فهو موجود فقط في مخيّلة مايك أوستروفسكي، أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، حيث جاء ذكره في كتاب آل روث بعنوان “من يحصل على ماذا ولماذا؟”.
إذا كان الحقل موجودا بالفعل، يجب أن تكون صلباً لتقوم بالمغامرة هناك. لو كان معروفاً أن مليون دولار يومياً ستكون على المحك، فإن تدافع المركبات الجوية الشرسة دون طيّار سوف يتصاعد حتى يُكلّف تشغيلها بنحو مليون دولار يومياً. وإن لم يكن موجوداً، عندها سيكون لدى الناس حافز قوي للاستمرار بشراء الطيارات دون طيّار حتى يُصبح كذلك.
مختصو الاقتصاد يطلقون على مثل سباق التسلّح هذا بأنه “تبديد الريع الاقتصادي”. إنهم يشعرون بالإحباط، لأنه يتم تبديد القيمة أثناء التنافس للحصول عليها. فكر في طابور الانتظار في الحي من أجل الحصول على تذاكر حفلة نادرة (وبسعر متدن بشكل واضح) أو أعمال الشغب بسبب البضائع الرخيصة التي تندلع في كثير من الأحيان خلال مناسبات التنزيلات في المتاجر.
إذا كان عدد قليل من الناس صبورين بشكل خاص، أو أقوياء، أو ماهرين في تشغيل الطائرات دون طيّار، فعندها سيحتفظون على الأقل ببعض القيمة؛ لكن إذا كان كثير من الناس يتحلون بالصبر أو القوة أو المهارة على نحو مماثل، فعندها سيتم استهلاك كامل القيمة المعروضة من خلال السباق للاستيلاء عليها.
(صراع مهبط المطار هو مدمّر بشكل خاص لأن الموارد الحقيقية يتم تخصيصها للاستيلاء على الأوراق المالية، التي يُمكن استبدالها بسهولة وبشكل رخيص، لكن حتى لو كانت الطائرات تُلقي شيئاً ذا قيمة، مثل الزعفران أو أجهزة تخزين الكمبيوتر “الفلاش”، فإن العملية ستعني أنه يتم إهدار القيمة).هناك مثال آخر هو أعمال التداول عالي التردد في الأسواق، حيث الخوارزميات تحاول التفوّق على بعضها بعضا، أثناء تدافعها للحصول على تداولات في منافسة تنتهي في أقل من لمح البصر.
بعض المتداولين استثمروا في شبكات المايكروويف، التي هي أسرع من الألياف البصرية، للحصول على ميزة تبلغ أقل من جزء من ألف من الثانية في الوقت الذي يستجيبون فيه في نيويورك على الأخبار من شيكاغو. وجه الشبه مع حقل النقود واضح بما فيه الكفاية – وعلى عكس الحقل، فإن تجّار التداول عالي التردد موجودون بالفعل.
وصلة مايكروويف لتوفير بضعة أجزاء بالألف من الثانية هي تماماً في نفس فئة طائرات التقاط الدولارات دون طيّار السريعة، أو الوصول في وقت مُبكر للوقف في طابور الانتظار في أحد متاجر أكسفورد ستريت.
هناك قيمة بوجود سوق سائلة للأصول المالية، وهي سوق تستطيع فيها بسرعة العثور على بعض المشترين للمنافسة على ما يُمكن أن تبيعه، لكن التداول عالي التردد لا يُضيف شيئا يذكر إلى السيولة في أوقات الأزمات؛ في حين أن وصلة المايكرووف، مثل الطائرات دون طيّار، لا تُضيف أي قيمة إلى المجتمع ككل. هل يُمكن القيام بأي شيء بشأن سلوك تبديد الريع هذا؟ إحدى الطرق هي من خلال فرض الضرائب. يُمكننا فرض رسوم على الوقوف في الطوابير، أو على أجهزة إرسال موجات المايكروويف، أو على معاملات البورصة نفسها. إذا تم فرض ضريبة خمسة دولارات في الساعة، على الناس الذين ينتظرون في طوابير من أجل الحصول على تذاكر حفلة أثناء انتظارهم، عندها ستكون الطوابير أقصر. يفترض أن تكلفة الضريبة سيتم تعويضها من انخفاض وقت الانتظار، لذلك فإن الحشود المُنتظرة ليست أسوأ حالاً؛ من ناحية أخرى، تحصل الحكومة على إيرادات من لا شيء. وهذا يعتبر وجبة غداء مجانية نادرة.
فرض الضرائب على المعاملات هو أيضاً إمكانية، على الرغم من أنها ذات إشكالية أكثر. كثير من الصعوبات لا تأتي من المعاملات نفسها، لكن من “حشو أسعار التداولات”، حيث يضع تجار التداول عالي التردد ويسحبون آلاف الرهانات، الأمر الذي يؤدي إلى التدقيق من أجل الحصول على المعلومات دون القيام بأي معاملات فعلياً. وفرض رسوم على حشو أسعار التداولات قد لا يُساعد أيضاً. ثلاثة باحثين كنديين (كاتيا مالينوفا وأندرياس بارك وريان ريورادن) درسوا تأثير التغيير التنظيمي، حيث يتم فرض رسوم على المتداولين مقابل أسعار التداولات، وليس عمليات التداول؛ ووجدوا أن حجم إعطاء الأسعار انخفض بشكل حاد. هامش العرض والطلب، وهو مقياس عدم فعالية السوق، ارتفع بنحو 10 في المائة. وفي حين أن الضريبة على المعاملات أو إعطاء الأسعار من شأنها إحباط بعض أشكال التداول عالي التردد، إلا أنه يبدو لي أن الحافز لبناء وصلات مايكروويف بين شيكاغو ونيويورك سوف يظل موجوداً.
لذلك فإن البديل هو إعادة تصميم السوق لجعلها تعمل بشكل أفضل. في حالة طوابير الانتظار للحصول على تذاكر، فإن استيفاء سعر أعلى على التذاكر الأصلية سوف يُساعد، وبإمكان البائع عقد مزاد علني لتحديد السعر المثالي.
كما يُمكن أيضاً تحسين الأسواق المالية من خلال طرح مزاد مرة كل ثانية، وذلك بتجميع جميع العروض التي تم تقديمها خلال تلك الثانية. هذا سيكون سريعا بما فيه الكفاية لأي غرض معقول – ومن شأنه القضاء على الحاجة إلى إنفاق كل هذه الأموال على نقل المعلومات من خلال موجات المايكروويف.
المزادات ليست هي الدواء الشافي أكثر من الأسواق نفسها، لكنها تستطيع المساعدة. الأسواق لا تعمل دائما على تنظيم نفسها. المزاد المنظم جيدا يمكن أن يعني قدرا أقل من الجهود الضائعة، في المعركة الرامية إلى الوصول إلى مقدمة الطابور.