فيليب ستيفينز
أنجيلا ميركل تريد إنقاذ أوروبا، لكن عليها أولا إنقاذ نفسها. مبدأ المستشارة الألمانية هو الوحدة داخل الاتحاد الأوروبي، هذا طموح مُثير للإعجاب، لكنه طموح وضعها في ورطة سياسية خطيرة في بلدها.
قادة بولندا والمجر وسلوفاكيا لن يتشاركوا أبدا كرمها نحو اللاجئين الذين يُصادف أيضا أنهم من المسلمين. بحث ميركل عن الإجماع هو وصفة للشلل.
سيحار المؤرخون حول كيف أن وصول مليون شخص إلى مثل هذه القارة الغنية والكبيرة أصبح يُشكّل تهديدا وجوديا، حيث يُمثّل القادمون الجُدد 0.2 في المائة فقط من سكان الاتحاد الأوروبي. التدفق المفاجئ دائما كان يؤدي إلى زعزعة الاستقرار، لكن هل يستطيع أن يُمزّق نصف قرن من التكامل بين بعض الديموقراطيات الأكثر تقدّما في العالم؟
بالنسبة للبعض، الذعر أصبح هو الحالة الأصلية. عندما أصدر كل من مارك روت، رئيس الوزراء الهولندي ونظيره الفرنسي مانيول فالس، تحذيرات مخيفة بشأن الانقسام الدائم في الاتحاد، جلبا السؤال الذي يطرح نفسه وهو: ماذا سيفعلان لمنع حدوث ذلك؟
ليس الكثير. ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإيطالي، مشغول بتصفية حسابات قديمة مع ميركل. وديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا، لديه استفتاء يريد أن يفوز به، لذلك لا يريد أي مُقايضة مع ما يدعوه بشكل فج أنه “حفنة من المهاجرين”.
حين نقول إنه لا توجد إجابة سهلة فيما يتعلق بمسألة اللاجئين فإن هذا لا يعني أنه لا توجد ردود مفيدة. قبل كل شيء آخر، القادة الأوروبيون بحاجة إلى إثبات أنهم استعادوا السيطرة على الأحداث.
بالتأكيد الناخبون يشعرون بالقلق بشأن الأعداد، لكن ما يجعل القلق يتحوّل إلى غضب وتعصّب هو دور قادتهم كمتفرجين لا حول لهم ولا قوة. موضوع اللاجئين والإرهاب أصبح منصهرا في ذهن الجمهور.
تغيير هذه الديناميكية يتطلّب العمل على ثلاث جبهات: الدبلوماسية والمال والبيروقراطية. الكثير من هذا يتعلق بالقيام بالمزيد من الأمر نفسه، لكن مع عزم عاجل بدلا من الشعور بالقلق، في حالة ميركل، الاستعداد لترك الذين اكتسحهم الخوف.
الدبلوماسية ينبغي أن تتحدّى النزعة القدرية بشأن مستقبل سورية. التوصل إلى تسوية شاملة هو أمر يتجاوز حدود المعقول، لكن فرص وقف إطلاق النار قد تحسّنت. اشتد الصراع بسبب مساجلات ومماحكات القوى الخارجية. الآن قد يكون هناك تقارب في المصالح لمصلحة تحقيق هدنة. مع تأمين الاتفاق النووي مع إيران، تستطيع الولايات المتحدة الآن تركيز جهودها على سورية. قد تكون ضعيفة، لكن واشنطن لا تزال تملك نفوذا أكثر من أي شخص آخر.
وأوروبا لديها أهم حافز لتقديم الدعم. فالجميع يُمكن أن يتّفق على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يُعزّز حدوده الخارجية، وبسرعة، لكن الذين هربوا من سورية بحاجة أيضا إلى بعض الأمل في العودة إلى ديارهم. روسيا، المُتضرّرة بشدة بسبب انخفاض أسعار النفط، ليس لديها شيء لتكسبه، لكن لديها الكثير لتخسره من الانخراط العسكري الأعمق بكثير مع بشار الأسد. وقف لإطلاق النار يُمكن أن يحمي مصالح موسكو. مع قدر من المساومة، ينبغي أن تكون هذه القوى الخارجية قادرة على تطويق اللاعبين الإقليميين – إيران ودول الخليج وتركيا. العصابة التي تُطلق على نفسها اسم الدولة كانت مفيدة في هذا الصدد من خلال إضافة روسيا وتركيا على قائمة المُستهدفين الخاصة بها.
أما بالنسبة للمال، سواء كانت خطة مارشال أو ميركل، المطلوب تقديم المساعدات على نطاق لم يكن متصوّرا حتى الآن. مبلغ الثلاثة مليارات يورو الموعود لتركيا، لا يُمكن أن يكون أكثر من مجرد دفعة مُقدّمة صغيرة. عندما نقص الغذاء في مخيمات اللاجئين في المنطقة العام الماضي، تجاهلت الحكومات التحذيرات. بشكل لا يُصدّق، بعض دول الاتحاد الأوروبي، لا تدفع حصتها حتى الآن.
على مدى أعوام، تعامل الاتحاد الأوروبي مع الخطط غير الحماسية لتحقيق الاستقرار في البلدان المجاورة له على البحر المتوسط. مئات الآلاف من المهاجرين من المغرب يُضخّمون الآن تدفق اللاجئين من سورية والعراق وأفغانستان. أوروبا بحاجة فعلا إلى استراتيجية تنمية إقليمية جديّة.
فشل البيروقراطية قد يبدو شيئا تافها. في هذه الحالة، إنه ليس كذلك. فشل السياسيون فشلا ذريعا في التعامل مع الوافدين: فصل اللاجئين الشرعيين عن المهاجرين الاقتصاديين، وتأمين الحدود الخارجية في اليونان، والتأكد أنه تتم مكافأة مجتمعاتهم المحلية بشكل كبير لاستقبال اللاجئين، ومواجهة الإجرام مثل الذي شهدناه في مدينة كولونيا الألمانية في ليلة رأس السنة.
أدرك وينستون تشرشل فيما مضى أن المزاج العام فيما يتعلّق بمعاملة المجرمين هو من بين “الاختبارات الدائمة لحضارة أي بلد”. اليوم بإمكاننا وضع المهاجرين بديلا عن المجرمين. دائما ما سيكون هناك أشخاص في أوروبا متوجسين من الإسلام أو يكرهون اليهود أو معا، لكن ديموقراطياتها إلى حد كبير متجذّرة في الإنسانية.
إذا كانت ميركل ستتخلص من التحدّيات التي تواجه قيادتها، فإن الكرم نحو المهاجرين يجب أن يرافقه الطمأنة بخصوص الأمن. الرد الفوضوي حتى الآن منح الأكسجين للذين يعلنون أن كل مهاجر هو مجرم أو إرهابي محتمل. وضع أهداف رقمية لا يحل أي شيء، لكن برلين يجب أن تغرس الثقة بأنها تُسيطر على الأعداد ويُمكنها معالجة وفصل اللاجئين الحقيقيين.
في التصور المثالي لدى المستشارة الألمانية، دول الاتحاد الأوروبي الـ 28 ستبقى معا. في الواقع، الخيار الذي يواجه نظام الحدود المفتوحة في منطقة شنيجن هو بين التعليق المُنظّم أو الانهيار غير المُنظّم. وميركل ينبغي أن تختار الأول. المطلوب هو تحالف للراغبين – الدول المستعدة لجمع الموارد ومشاركة أعباء الأزمة. مستقبل الاتحاد واحد من الدوائر المتداخلة. هذا التجميع الجديد سيكون الأساس لإعادة رسم الحدود المفتوحة. إذا بقيت معظم أوروبا الشرقية في الخارج، فسيكون باختيارها. لم يعد لدى ميركل الوقت لكي تنتظرهم.

