قيس مجيد المولى
من ميناء بيريه أقلته الباخرة الى جزيرة كريت
لم يبق من الصفحة التي كان يقرأ بها غير عبارات متفرقة منها الرماد عاد يحترق، وشواغل الأميرة والنهار الأصفر الشبيه بلون البرتقال، كان ذلك حين انسكب قدح الشاي على الصفحة الـــ 210 من رحلة الغيوم باتجاه الطيور المهاجرة.
اعتدل على جلسة أخرى ووضع ساقيه فوق الكرسيّ الجانبي واسترخى بأنفاسه وهو يحدق بمسافة مفترضة ما بين اليابسة التي هو عليها الآن والمسافة الإفتراضية التي تقع خلف البحر، وراح يهذي كعادته بكلمات مسموعة (ميناء بيريه – دافنا –أكروبولس – كافيه سقراط – مقهى وخمارة زوربا) وتذكر لكل منها جملة مختصرة.
من ميناء بيريه أقلته الباخرة الى جزيرة كريت، ومن جزيرة كريت بعد أن جالس اليهوديات في سنتر المدينة، عِبرَ بمركبٍ صغير الى ميكانوس، وفي ميكانوس تعلم الجنس كما يجب، وفي دافنا وقفَ أمام براميل النبيذ ولأنه مولع بالإحتساء احتسى بواسطة قدح كبير ما استطاع بعد أن دفع 10 دراخمات.
وحين عزفت الموسيقى راقص الرجال والنسوة وسط تصفيق الحضور، وفي إكروبولس لامسَ الأعمدة وسألها عن هيلين وهرقل الجبار. وفي كافيه سقراط تلذذ بالخرافة التي قدمت له مع صحن من الحلوى، وعند مقهى زوربا شم رائحة ساحل الليلينيت ورأى على البعد ضوء بيت العاهرة.
بدأ بعد أن جف الشايّ عن الكتاب بتقليب صفحاته واستقر على صفحة جديدة كان قد وضع، وبقلم الرصاص، خطا تحت بعض عباراتها، عبارات لم ترد إلا في الصفحة 235 تتعلق بالوجود والماهية وتقسيم الذات والإنصياع لنداء الباطن.
وسكب مرة ثانية قدح الشاي الذي وضع توا على الطاولة، سكبه هذه المرة بقصدية على الصفحة 235 كون ما ورد لم يجد له تفسيرا مع رحلة الغيوم باتجاه الطيور المغادرة.
وللتوّ أعادت الأمطار سلوكها المألوف فوق البحر، وأعاد الصيادون سلوكهم مع البر، وللتو أيضا نظر الى كلبه وراءه ينظر اليه، ينظر اليه بتعجب أم بسخرية مما دفعه للإعتدال في جلسته وتقليب صفحات الكتاب من جديد.ذات مرة عند ساحة أمونيا طلبت منه فتاة من جنسه مرافقته في المدينة بعد سنوات طوال ندم حين تذكر بأنه بدلا عن مرافقة تلك الفتاة الجميلة التي من بني جنسه ذهب نحو الضوء الخافت الذي يقع في بيت العاهرة على ساحل الليلينيت.ومرة قرأ في الكتاب المقدس، الذي يحمله معه، حين بدأت الطائرةُ بالإقلاع ولم يصغ بجدية لـــ “سبحان الذي سخر لنا هذا وماكنا له بمقرنيين” كونه استمع لها مئات المرات، وكان يرددها قبل الصعود الى الطائرة.
وحين أغلق الكتاب المقدس سألته التي جواره من أي مسيحية أنت، ولكونه يمقت المذاهب (لست كاثوليكا ولا بروتستانتيا أنا من عامة المسلمين) وحين مرت المضيفة بعربتها طلب نبيذا أحمرَ، ابتسمت التي جواره وابتسم لها موافقا على ابتسامتها وما تعنيه.
وبدأ يقرأ في مجلة السوق الحرة وارتعشت يده التي تحمل الكأس حين تذكر سفرته الى نيودلهي وسقط القليل من النبيذ الأحمر فوق الصفحة التي كانت تعرض إعلانا سياحيا عن نيودلهي.ابتسمت التي جواره مرة أخرى وسألته: أيهما أهم لديك طاغور أم المهاتما غاندي؟ لم تأت المضيفة له بكأس أخرى من النبيذ الأحمر وطلب قائد الطائرة شد الأحزمة وأغمض عينيه حين بدأت بالهبوط التدريجي عندها شعر بعواء كلبه، وبالأوراق التي تطايرت من رحلة الغيوم باتجاه الطيور المغادرة، وتهيأ أن يهيئ لنفسه عزلة أخرى تليق بحدسه أن جغرافية الأمكنة في تبدلٍ مستمر وأن الخرافة خرافة إن عرضت فيلما سينمائيا أو قدمت على صحن حلوى، وإن الوقت قد حان لتركيب الذكريات بشكل أكثر عقلانية.