قيس مجيد المولى
قرر أن يمر عليها مرورا سريعا، وأستثنى إحداها ووجد أن لا بد من الولوج الى قاع الظلام بهدوء وروية، واستمر في الحديث عن الشراع الجاف والمرأة التي تتثاءب على حافة السفينة، والقصد من إخلاء المنفى من طوق النجاة، وإذعانه للغيوم التي يكرهها لأنه سبق ورسمها طوال حياته، وحين تجمعت لديه أكداسٌ منها وشغلت مشغله، رماها في البحر مضطرا كي تعود اليه إن شاءت غيوماً بغير لونها.
ربما كان ينتظر غيمة حمراء أو خضراء، أو أرجوانية كي يألف مزيج الألوان الذي ينبعث من مصدر مجهول في أحلامه، وهو يرى الخيام التي تطوى، والشعائر المقدسة لعمال الفولاذ، ويرى على الرمل الطرق السالكة لخداع البحر، ولم ينتبه إلا على أصوات المنشدين في الأقفاص منشدين الى الآلهة أن يَصِلوا قبل أن تهب رياح أيلول ويفيق إله الأعاصير من سباته.
ولم يجد بعد ذلك في (المنفى) قبل أن يرمه في الهواء غير ذراع بيضاء تودع دجاجاتها السود وتبكيهن بحرقة.
وكان لا بد له من اتجاه آخر ليعيد ترتيب موجوداته العينية وليكن على ضفاف الشيزوفرينا أو ما يصحح يحتاج لتصحيح، ليرى في الشيزوفرينيا الشوارع التي لم تعبد بعد، والنسوة بائعات اللبن، والتلفاز السحري الذي يشاهد فيه نعيم عاكف عبر ركن الهواة، ومؤيد البدري عبر الرياضة في أسبوع، وكامل الدباغ في العلم للجميع.
تذكر ذلك حين تناول أول إفطار له في محطة القطارات في درسدن، وعاد وعلى الطاولة يفتح كتاب المنفى من جديد موزعا الضبابَ على جدول أيامه القادمة والتي سيقضي أولها في تقشير الدخان وملاحقة الغروب الى القرى البعيدة:
في فصل الهاوية
العشب
كأسلاك الكهرباء
والنوارس وهي في السماء
كالأسماك النافقة،
أيتها الرغبة المرعبة
لم لا تجعلي صوتي أنيناً
يتناسل في أحجار الشطآن
وأثناء ذلك تذكر أنه لا بد من الولوج لأعماق الظلام الى المنحدر القصي للوصول الى الحشرات المضيئة والأغشية الملقحة بالأسرار الغامضة، ليكون انتظاره لغيمة حمراء أو خضراء أو زرقاء انتظاراً مجديا ليجالسَ أرجوحة طفولته ويستمتع بالنشيد الوحيد الذي حفظه من القابلة المأذونة التي غسلته بماء المطر، وجففت صراخه بأوراق الزيتون، فكان له المنفى بشارة منذ اليوم الأول لولادته حتى اليوم الذي تلى فيه الشعائر المقدسة مع عمال الفولاذ.

