امين قمورية
تركيا غاضبة فالأنباء الآتية من الولايات المتحدة لا تُسرّها. الخلاف بين أنقرة وواشنطن في شأن الكرد، لا سيما الدعم الاميركي المتزايد لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردستاني في سوريا، بلغ حدًّا خطيرًا دفع أردوغان الى الخروج عن طوره في مهاجمة الاميركيين بشدة.
تركيا تخشى من إقامة منطقة للحكم الذاتي الكردي على طول حدودها الجنوبية مع سوريا على غرار منطقة كردستان العراق شبه المستقلة، الامر الذي قد ينعكس سلبًا على وحدتها الداخلية، ويشجّع مطالبات الكرد بالشيء نفسه في شرق تركيا، حيث يشكلون الغالبية.
لكن واشنطن تعتقد انها ليست مضطرة لأخذ إذن من تركيا كي تقاتل «داعش» او تنفيذ سياسات محددة على الارض». وبالنسبة لها فإن قوات حماية الشعب حازت ثقة قوات الائتلاف الدولي لأنها تحارب «داعش». وأثبتت أنها حليف يعتدّ به في مكافحة داعش والإرهاب. ولذلك فإن أميركا تدعمها بالسلاح وتوفر لها الحماية الجوية، وستستمر واشنطن بدعمها وحمايتها لقوات حماية الشعب ما دامت هذه القوات تكافح «داعش».
غضب الرئيس أردوغان مفهوم، ولكنه هو نفسه، يتحمل مسؤولية رئيسة عن معظم هذه التطورات التي يراها سلبية بالنسبة الى بلاده، بعدما استبدت به الحيرة والتقلب السياسي في السنوات الاخيرة. فمنذ توليه السلطة العام 2002، عمل على إبعاد تركيا عن حلفائها الغربيين التقليديين. واستندت السياسة التركية إلى الفكرة القائلة بأنه لا يمكن لأنقرة أبداً أن تبرز كقوة إقليمية إذا كانت تتمتع بعلاقات جيدة مع الغرب فقط. وتبين أن هذا الرأي خاطئ إلى حد كارثي.
لقد اعتقد داوود أوغلو أنه من خلال إقامة علاقات أفضل مع إيران وروسيا، والإخلال بين الحين والآخر بالعلاقات مع أوروبا وإسرائيل والولايات المتحدة، بإمكان أنقرة أن تكسب النفوذ في الشرق الأوسط وأوراسيا، وتبرز كقوة إقليمية تحظى بالاحترام. ولكن، بدلاً من ذلك، حدث العكس. فاليوم، اجتمعت البلدان الأربعة الرئيسية المجاورة لتركيا من غير الدول الأوروبية – روسيا وإيران والعراق وسوريا – في محور تاريخي تشكل حديثاً ضد أنقرة. وفي المقابل لم تستعد العاصمة التركية اصدقاءها السابقين.
تحاول أنقرة إعادة عقارب الساعة الى ماكانت عليه قبل نحو عشرين عاماً، في ظل حكم الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل، اي علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، وعلاقات سيئة مع إيران، والعراق، وروسيا وسوريا، وعلاقة عمل مع الاتحاد الأوروبي.
لكن هل الظروف اليوم هي الظروف نفسها التي كانت قائمة العام 1995؟ وهل الحسابات الدولية والتجاذبات الكبرى بين القوى العظمى، لا سيما بشأن سوريا هي هي ايضا؟
الخلاف التركي الاميركي في شان الكرد ليس إلا عينة صغيرة عن الاشكال التركي، ذلك ان أنقرة تعاني إشكالا أكبر يتعلق بالعلاقة مع روسيا التي بلغت ايضا حدا لم تبلغه منذ الصراع بين الامبراطوريتين الروسية والعثمانية في بداية القرن الماضي. الاشكال، أين يمكن ان تقف واشنطن اذا تفاقمت المشكلة بين أنقرة وموسكو، لا سيما ان واشنطن حليفة أنقرة وشريكتها في حلف الاطلسي، لا تنفك تدعو الطرفين على السواء الى الحيطة والحذر وكأنها تريد الوقوف على الحياد. وبالفعل تبدو الإدارة الأميركية غير مبالية بما يحدث، فهي:
أولاً، لا تعير اهمية لما تقوله تركيا عن مخاطر الأبعاد السياسية والأمنية للعلاقة المتينة بين واشنطن وكرد سوريا.
ثانيًا، تتجاهل مشروع موسكو الذي يتقدم على الأرض، باتجاه فتح الأبواب أمام تمدّد هذا الحزب نحو أبعد نقطة جغرافية في شمال غرب سوريا، لتكون مقدمة لإعلان الكيان الكردي شبه المستقل.
ثالثًا، تتجاهل مطالبة المعارضة السورية بعد فشل لقاء جنيف الثالث، بالضغط على موسكو لتغيير مواقفها حيال مسار الأزمة السورية. لا بل إن ضغوطات أميركية تمارس على المعارضة لمشاركتها في «جنيف 3» بناء على تفاهم اميركي روسي مسبق في حين تواصل موسكو عملياتها العسكرية في حلب لتعزيز مواقع النظام. في حين أن أنقرة ترى أن تفاهم لافروف – كيري هو العقبة أمام الحل في سوريا.
رابعًا، تعرف واشنطن والأطلسي أن اتساع اي مواجهة تركية روسية ستحمل معها مخاطر اندلاع حرب إقليمية نووية، فهل هما على استعداد للدخول في مواجهة من هذا النوع أم لا؟ المشكلة اليوم بالنسبة للأتراك هي أبعد من إجابة دول حلف شمال الأطلسي عن سؤال وقوفها جانبهم، في حال تحوّل التوتّر التركي الروسي إلى مواجهة ساخنة، بل معرفة إذا كانت هذه العواصم الغربية ستتخلى عن أنقرة وتنحاز إلى روسيا، تاركة تركيا لوحدها في هذه المواجهات لصالح حماية علاقاتها مع روسيا وإيران؟ خامسًا، هناك قلق تركي حقيقي من أفكار تناقش في المحافل الغربية حول مواجهة عسكرية تركية روسية تعني بالنسبة للغرب فرصة إضعاف البلدين وإخراجهما من لعبة التوازنات الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا بعد التفاهم الغربي النووي مع إيران واستعداد طهران للاضطلاع بالدور الذي تريده بعض العواصم الغربية في ضوء مواجهة من هذا النوع. فهل وقعت تركيا بين المطرقة والسندان؟

