استطاع هذا الشاعر ان ينتقل بكتاباته الشعرية من الأدنى إلى الأعلى من خلال تطوير مهاراته وأدواته الشعرية التي جعلت لنصوصه طابعا خاصا ومميزا وقد يتساءل البعض عن هذا التميز الذي يفرده في الساحة الأدبية بين كتاب القصيدة النثرية ولكي أجيب على هذا السؤال هنالك منطلقان مهمان في تحديد هذا التميز
الأول:العنوان والثاني: المتن للعنوان عند الشاعر مهدي سهم الربيعي خاصية مميزة جدا قد تفرد في تعيين عناوينه للنصوص التي يكتبها،نلاحظ مثلا هذه العناوين التي التفت إليها بعض الدارسين في الثقافتين العربية والأجنبية قديما وحديثا، وتنبه أليه الباحثون في مجال السيميوطيقا وعلم المنطق وأشاروا الى مضمونه الإجمالي في الأدب نظرا لوظائفه المرجعية واللغوية والتأثيرية والايقونية .
وحرصوا على تمييزه في دراسات معمقة بشرت بعلم جديد ذي اسقلالية تامة،الا وهو علم العنوان (تيترولوجي) الذي ساهم في صياغته وتاسيسه باحثون غربيون معاصرون منهم (جيرار جنيت وهنري متران ولوسيان كولدمان وشارل كريفل وروجر روفر وليو هويك ) الذي عرف العنوان “ بكونه مجموعة من الدلائل اللسانية يمكنها ان تثبت في بداية النص من اجل تعيينه والاشارة الى مضمونه الاجمالي “ ومن اجل جذب الجمهور المقصود ، اما راي الباحثون العر والدارسون فقد كتب مقاربة العنوان في الشعر العربي الحديث والمعاصر الدكتور جميل حمداوي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الادب العربي الحديث والمعاصر تحت اشراف الدكتور محمد الكتاني نوقشت بجامعةعبد المالك السعدي بالمغرب عام 1996ويطرح فيها صاحبها منهجية جديدة لدراسة العناوين سماها ( المقاربة العنوانية) وتعد ـ على حد علمي ـ اول دراسة تحليلية شاملة للعنوان في الوطن العربي اذ بلغت عدد صفحاتها ( 562 صفحة من الحجم الكبير) كما كتب معتصم الحارث الضوئي ان العنوان عبارة عن علامة لسانية وسيميولوجية غالبا ما تكون في بداية النص لها وظيفة تعيينيه ومدلولية ووظيفية تأشيرية اثناء تلقي النص والتلذذ به تقبلا وتفاعلا ، يقول الباحث المغربي ادريس الناقوري مؤكدا الوظيفة الاشهارية والقانونية للعنوان : “ تتجاوز (دلالة العنوان) دلالاته الفنية لان العنوان له علاقة مميزة ذات علامة نصية عتباتية وبهذه العلامة بالضبط يحول العنوان المنتوج الأدبي او الفني الى نص اخر له نفس مقومات المتن ، هذا بالإضافة الى كونه المدخل الأولي والأساسي للنص وعتبته وثيمته الاولى ، ونلاحظ عنوان الديوان ( جريمة العصيان ) عنوانا كبيرا ومتينا يحوي بذاته قصة ورؤية تحدد بدون التفاصيل الى معاني يستطيع المتلقي ان يدرك من خلال هذا العنوان صور واضحة تكشف له رؤية ما مضمونة. لذلك استحقت _جريمة العصيان) ان تكون عنوان الديوان ، للمعنى الكبير الذي يحتويه هذا العنوان وتداعياته ، أما باقي العناوين التي حددت النصوص بنفس القيم والخصائص التي تكلمت عنها هنا ، وهي ( اللامجدي اللاشيء) وعنوان (بحار تأكل شواطئها) (غرق الأنهار) و ( انفعالات كسيحة) و (شيزوفرينيا) وعيد مؤجل ـ خواء بليغ ـ صراط السلاطين ـ ساعة مطر بعد المنتصف ـ انحناءات على سلم الخريف ـ العذاب السادس هذه كلها عناوين مهمة ولها إشارات وعلامات مميزة تعكس لنا رؤية عميقة ، ويلاحظ على هذه العنونة الحداثية انها تجمع بين تجريب تقنيات النثر وتأصيل النصوص عن طريق الاستفادة من الحداثة واستلهام جديدها انتقل الآن إلى المتن ، بعد ان عرفنا مهمة العنوان عند الشاعر مهدي سهم الربيعي ننتقل الى المضمون وهل له علاقة وطيدة بالعنوان ؟ بلا شك أن القارئ سيجد في المضمون علاقة قوية ومتينة ذات إيديولوجيا تحدد تداعيات العنوان في النص ، وسيجد القارئ لهذا الديوان مشهدية صورية تحتاج الى تأويل ناضج من خلال ثقافة المتلقي الواعي لهذه النصوص الموجودة التي تنطلق من عدة محاور اغلبها فلسفية وسريالية ذات رؤى متعددة تعطي محاكاة لواقع مهزوز او قضية كبيرة او إحساس ملبد خرج من رحم المعاناة هذا الديوان الخطوة الأولى للشاعر ، وهنالك خطوات قادمة ستكون اكثر تغلغلا في الحياة وأكثر انتشارا فالشاعر مشروع تجربة لها رسالتها وهدفها ، وليس المقصود اضهار الجمالية والابداعية فحسب ؟ بل ان هنالك قيم مهمة وضرورية لتجربة أي شاعر تتعدى الطرح وتتجاوز الشكل ، لتكون فعلا مؤثرا يراد منه تحريك الحياة المتوقفة وتنشيط الحركة بما يضمن استمرار الحياة كما يليق بها