حازم مبيضين 
في خضم التطورات المتلاحقة والمتسارعة والجذرية في منطقة الشرق الأوسط، يبدو وضع الأردن مرتبكاً، وهو ينتظر أياماً غامضة، رغم نجاحه في تجاوز الكثير من العواصف التي ضربت العديد من دول الجوار، خصوصاً مع الحديث عن تسويات إقليمية، تتضمن رسم خرائط جديدة، يتم تداولها دون إطلاع الأردن على تفاصيلها، إضافة للضائقة الاقتصادية، ومعها الكثير من عوامل عدم الاستقرار التي تتفاعل تحت الرماد، واستباقاً للتطورات المُحتملة، تحدث العاهل الأردني عن غليان أبناء شعبه، وحذّر المجتمع الدولي من انتقال فوضى الإقليم إلى بلاده، وتأثير ذلك على أمن الجيران غربي النهر، لإدراكه أهمية ذلك بالنسبة للغرب، ولن يكون مُجديا اليوم الركون إلى نجاحات سابقة في إدارة الأزمات التي ضربت مملكة الهاشميين، واستوعبت تداعياتها، فالأمر يتعلق برسم خرائط جديدة، تُشبه الأيام التي نشأ فيها كيان الدولة الأردنية الحديثة، ما يستدعي الانتباه على مدار الساعة للحفاظ على هذا الكيان.
اعتمد الأردن سياسة تستند إلى توازنات شديدة الدقة والحساسية في علاقاته الخارجية، خصوصاً دول الخليج المانحة وأميركا، وقد نجح في ذلك ولو إلى حين بسبب موقعه الجغرافي، لكن ذلك لم يعد كافياً في ظل استمرار السياسات الداخلية غير المطابقة للمواصفات الغربية للديمقراطية، فالمواطن الأردني مُجبر على الولاء الأعمى والطاعة التامة، والسكوت على أية أخطاء أو خطايا يرتكبها النظام، للوصول إلى منصب أو موقع مهم، والمؤسف أن ذلك الوصول، لم يعد يعني عند الأغلبية غير الحصول على مكاسب خاصة وشخصية، ولو عبر الفساد الذي ينخر أساسات الدولة، وعلى أعلى المستويات.
 في خضم كل التحديّات الخارجية، يظل التطرف الإسلامي الذي ينتشر بسرعة في أوساط الشباب، معضلة تستوجب المعالجة، حيث بلغت نسبة مؤيدي داعش في الجامعات 6 بالمئة، وهي قابلة للارتفاع بسبب عدم انتماء الكثيرين لأية مدرسة فكرية، ما يعني أن نسبة منهم مرشحة للانتقال إلى واحد من التنظيمات التكفيرية، فإذا أضفنا لذلك معضلة المخدرات المنتشرة بكثافة في أوساط طلبة الجامعات، فإن ذلك يُشكل أعباء مضاعفة، لن تجدي معها زيارات الملك لشيوخ العشائر ووجهاء المحافظات.يواجه الأردن اليوم تداعيات التطورات الميدانية في سوريا، مع أنباء عن تهديدات سورية بقصف قواعد ومطارات عسكرية أردنية، في حال استقبلت طائرات ووحدات عسكرية سعودية أو عربية أو حتى أجنبية، أو في حال الدخول إلى الأراضي السورية عبر المنطقة الجنوبية، كما وجهت طهران وداعش تحذيرات مماثلة، وكل ذلك في ظل تحذيرات أميركية من احتمال استهداف داعش للأمن الأردني، فهل يواجه الأردن اليوم تهديداً حقيقياً من جانب سوريا وإيران أو داعش؟، وهل لدى أميركا وإسرائيل معلومات حول ذلك؟، سؤال ينتظر الإجابة من واشنطن التي من الواجب أن توضح لحليفها الأردني ماذا يجري فعلاً.
على الأردن التعاطي مع التطورات الساخنة في المنطقة، بعد بروز احتمال تفكك بعض الدول، وإعادة تركيب بعضها وفق رغبات قوى دولية، وبما ينسجم مع طموحات وأهداف هذه القوى، ومن هنا تبرز ضرورة التفكير جدياً بسيناريوهات أمنية تتعلق بكيفية مواجهة التطورات المعقدة التي تطرأ كل لحظة، كذلك وضع تصور للتعاطي مع أية مستجدات في سوريا والعراق، خصوصاً وأن عامل الوقت ليس إلى جانب الأردن بالتأكيد.
الأردن اليوم بحاجة إلى برنامج إصلاح يسمح بديمقراطية حقيقية وتسوده الشفافية وتداول السلطة، وتحكمه طبقة من السياسيين الشجعان والمخلصين، وليس منافقين لا يتقنون غير فن الطاعة العمياء، ويرتعدون خوفاً من أية عملية إصلاح حقيقية، والإيحاء بأن تنفيذها قد يؤدي إلى الاطاحة بالنظام، وصاحب القرار اليوم بحاجة للإجابة على السؤال، عن قدرته على الإلمام بحجم المشاكل التي تعصف بمواطنيه، بدل قضاء الوقت متنقلاً من عاصمة إلى أخرى بحثا عن الحماية، فلن يحمي أي نظام غير شعبه، فنظامه يتمتع بالقبول، ولا يوجد أي مطلب حقيقي لتغييره، وهو بالتالي ليس بحاجة إلى ذلك النمط من المسؤولين الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء عليه، وأوهموه أن الشعب خطر عليه.
بالتأكيد يشكل تنظيم داعش الخطر الأكبر المُحدق بالأردن، وقد رتّب عليه ذلك أكلافاً فوق طاقته، فلجأ للتعاون مع دول العالم في الحرب على التنظيم الإرهابي، حتّى أنه تقارب سياسياً مع إيران بعد سنوات من الجفاء، وفي حين واصل تعاونه الوثيق مع واشنطن، فإنه لم يتأخر عن التواصل مع موسكو بوتائر أسرع بعد تدخلها العسكري المباشر في سوريا، لتنسيق الجهود في مكافحة الإرهاب، وبالتزامن مع تدريب قوات من المعارضة «المعتدلة» وأبناء العشائر السوريين، وبالتزامن أيضاً مع قيام العاهل الأردني بزيارة أكثر من عشرين دولة خلال العام الماضي في محاولة لتهدئة حدود بلاده غرباً وشمالاً وشرقاً، وهو يتلمس من اشتعالها خطراً دفعه للمبادرة وحتى دون أي تنسيق مع السلطتين التنفيذية والتشريعية.
الأخطار كبيرة وحقيقية وتستدعي التفكير من خارج الصندوق وعدم الهروب إلى الأمام، أو الارتكان إلى تاريخ ناجح في مواجهة العواصف، فالقادم أعظم.

التعليقات معطلة