جون بليندر
 
أسعار الفائدة السلبية شيء خبيث. من بين صفاتها الأكثر تأثيرا ميلها إلى تقليص أرباح المصارف، لأن المصارف لا تستطيع تمرير التكاليف إلى الزبائن بدون دفعهم إلى تحويل ودائعهم إلى أموال والاحتفاظ بها تحت الفراش. هذا كان عاملاً مهماً في الهبوط الأخير الذي منيت به أسهم المصارف الأوروبية. وهناك عامل آخر يتمثل في القلق إزاء طريقة عمل الأوراق المالية في عمليات الإنقاذ، مثل السندات القابلة للتحويل في حالات الطوارئ، المعروفة باسم “كوكو”، التي يتم تحويلها إلى أسهم عندما ينخفض رأسمال المصرف دون الحد الأدنى المُعين. هذا الابتكار الذي ظهر في مرحلة ما بعد الأزمة يُثير، مرة أخرى، تساؤلات حول ما إذا كان الابتكار المالي مُعاديا للمجتمع بشكل أساسي.
هناك وجهة نظر مشتركة بشأن الابتكار المالي فحواها أن المنتجات ليست هي السيئة، إنما طريقة استخدام المصرفيين لها. هذا غالباً ما يكون صحيحاً، لكن المُنتجات يُمكن أيضاً أن تكون ذات عيوب. في ظاهرها سندات كوكو رائعة لأنها مُصممة للمساعدة على إنقاذ المصارف بدون الاعتماد على أموال دافعي الضرائب. ولهذا السبب شجّعت المصارف المركزية استخدامها. لكن عندما تُشجّع المصارف المركزية، راعية الاستقرار المالي، الابتكار فعلينا الحذر.
من الناحية العملية، كما أظهرت التقلّبات الأخيرة في أسعار سندات وأسهم “دويتشه بانك”، سندات كوكو تُعاني مشكلة مع الحالة النفسية للأسواق. إذا بدأ المستثمرون، سواء على حق أو خطأ، القلق بشأن التحويل في أحد المصارف الكبيرة، أو بشأن قدرته على دفع الفوائد، فهناك خطر من الذعر المُعدي، مع ما يترتب عليه من عواقب محتملة تطال النظام المالي بأكمله.
أحد الدروس المستفادة من الأزمة المالية هو أن محافظي البنوك المركزية وإن كانوا مقتنعين بأن المنتجات المُشتقّة المُبتكرة من شأنها نشر المخاطر إلى تلك الأجزاء من النظام الأكثر قدرة على تحمّلها، إلا أن العكس يُمكن أن يحدث. بالمثل، هذا صحيح بالنسبة إلى سندات كوكو. المؤسسات الاستثمارية الأكثر استقراراً هي صناديق التقاعد وشركات التأمين. لكن سندات كوكو هي نظير سيئ لالتزاماتها، لأنها يُمكن أن تتحوّل في لحظة من كونها أداة فائدة ثابتة إلى أسهم.
النتيجة هي أن حاملي سندات كوكو يميلون ليكونوا مستثمرين أحرارا مثل صناديق التحوّط. وعند أول إشارة تحذير يتّجهون إلى المخرج، الأمر الذي يزيد من تقلّبات الدورة الاقتصادية وتقلّبات الأداة. أو ربما يبيعون أسهم البنك كنوع من التحوّط ضد الخسائر على سندات كوكو، الأمر الذي يزيد من حالة السمّية. وكما جادل تشارلز جودهارت، أستاذ المالية في كلية لندن للاقتصاد، في مثل هذه الظروف إمكانية وصول المصرف إلى أسهم جديدة تميل إلى التقلّص. هناك ابتكارات أخرى حديثة لها عيوب مماثلة. المشكلة الأكثر ملاحظة تكمن في صناديق السندات التي يتم تداولها في البورصة، التي توفّر للمستثمرين سيولة فورية، وفي الوقت نفسه الاستثمار في السندات غير السائلة.
بول فولكر، الرئيس الأسبق لـ “الاحتياطي الفيدرالي”، قال عبارة مشهورة “كم عدد الابتكارات الأخرى التي تستطيع إخباري بها، التي كانت مهمة للأفراد بقدر آلة الصراف الآلي، وهي ابتكار آلي أكثر من كونها ابتكارا ماليا. لقد وجدت القليل من الأدّلة على أن الكميات الكبيرة من الابتكار في الأسواق المالية (…) كان لها أثر واضح في إنتاجية الاقتصاد”.
هذا ينطوي على تمييز مفيد بين ابتكار المنتجات والابتكار في مجال التحويل. المكان الذي حقق فيه زبائن المصرف أكبر قدر من الفائدة كان المكان حيث تم تحسين أنظمة الدفع.
كثير من ابتكار المنتجات، في المقابل، كان مدفوعاً من مراجحة التنظيم. المنتجات المُهيكلة ما قبل الأزمة، مثلا، كانت طريقة لإزالة الأصول كثيفة رأس المال من الميزانيات العمومية للمصارف. ومعظم ابتكارات المنتجات الأخرى قبل الأزمة كانت مدفوعة من الرغبة في تعزيز العائد على الأسهم ورفع المكافآت، بدلاً من توفير خدمات مفيدة اجتماعياً للزبائن.
ويمكن القول إن الابتكار المالي الأكثر خطورة على الإطلاق موجود منذ عقود: البنك المُساهم محدود المسؤولية. هذه الأداة الغريبة تأخذ الودائع السائلة وتستثمرها في القروض غير السائلة، ومع ذلك تتعهّد بدفع 100 في المائة من القيمة للمودعين عند الطلب. في العقود الأخيرة كان هذا النشاط الخطير مدعوماً من أحجام أصغر بكثير من رأس المال، وقبل عام 2007، من سيولة الميزانيات العمومية القليلة جداً.
كما رأينا في الأزمة المصرفية، الاقتصاد العالمي رهينة لهذا المصدر الدائم من عدم الاستقرار. البلدان، مثل آيسلندا، أو إيرلندا، أو المملكة المتحدة، حيث النظام المصرفي كبير بالنسبة إلى حجم الاقتصاد، تكون مُعرّضة للخطر بشكل دائم. بالتالي، المشادة الأسبوع الماضي بين السير جون فيكرز، الذي يترأس اللجنة المستقلة الخاصة بالمصارف في المملكة المتحدة، وبين كبار المسؤولين في بنك إنجلترا، فيما يتعلّق بالمستوى المطلوب لرأسمال المصارف، تُشكّل أهمية كبيرة. إن ثمن وضع حواجز بالغة الانخفاض لتأمين رأس المال في العالم المالي المُعقد والغامض اليوم يُمكن أن يكون مرتفعا بشكل مخيف.

التعليقات معطلة