علي شايع
قالت الأخبار إن متورطاً بعمليات خطف وابتزاز أموال بمدينة بعقوبة، أعاد جميع ما سرقه من ضحاياه، آسفاً عبر رسالة دامعة، عنونها؛ “المال الحرام نار”، تلخيصاً لإعلان توبته عن فعله المشين، وطالباً؛ برجاء المعتذر، صفحهم عن ما أحدثه لهم من ضرر نفسي ومادي. الخاطف التائب أرجع مبالغ اخذها كفدية مالية عن ضحيتين، أعادها عبر وسيط حمله المال ورسالة ذكر فيها أسباب توبته، مؤكداً أن لعنةً وغضباً طارداه منذ مدة. وبحسب اعترافه؛ بعد تضرع ودعاء إمرأة مسنة خطف حفيدها، وكان مصدر رعب لها وعائلتها، أصيب بمرض عضال خطير نتيجة ما ارتكبه من جرائم، وكانت سبباً بموت أحد أولاده في حادث تسمم خلال أسبوع واحد، الأمر الذي جعله يتيقن بقرب نهايته وضرورة إعلان توبته.على علّة كدّرت عليه أيامه، استفاق، فجعلته يبصر، وقد زال قرين السوء عن بصيرته، وكأنه يقول: يا نفس مالي وللأموال أكنزها.. خلفي وأخرج من دنياي عرياناً. كلمات ورسالة ليتها تصل السارقين ومن اختطفوا أو تورطوا بجرائم يمكن أن تنال قسطاً من العفو والمغفرة، فالطريق الى الإصلاح عامر حتى نهايته، ومن لا يجد سبيلاً لتمام المغفرة، فعبر ما يبادره في طريق التوبة يكون قد جعل الأمل أكثر رحابة بوجود فرصة، ولو بتكثير سواد التائبين والحاثين على العودة الى سبيل الرشاد، والأمر ذاته ينطبق على المتورطين بجرائم عنف طائفي، أو أخرى ضد سيادة الدولة. حكاية اللص التائب وخياره ب (كتابة) رسالة، مدعاة للتأمل العميق والأسئلة: هل فكر بتدوين ينفع الناس، بقدر حرصه على ايصال رسالة شخصية؟
ربما سيكون سعيداً لو وجدّ الإعلام يتحدث عن تفاصيلها، وهو يعيش الأمنيات ويأمل نفسه أن من يسمع قصته سيرجو له الخير، وسيصبح مصدر حثّ لطلب الغفران وقبوله. وبالمقابل ثمة من سيتشفى بالمنكوب، فمن عاش الآلام بفقد شخص من عائلته بسبب طمع الطامعين، سيدعو ثبوراً على من ظلموه بان يلاقوا مثلما لاقى الرجل، وهو حتم الزمان ف “من سلّ سيف البغي قتل به” كما يقول الإمام علي (ع).
وستتواتر اللعنات والغضب على السراق واللصوص ومن أمهلتهم الأقدار متسعاً سلطوياً لمزيد من الغي، فمضوا يعمهون. ولعلّ في كلمات الشاعر المصري صلاح جاهين ما يوجز الصورة حين تختلط هذه الأوراق بالسياسة: «قالوا السياسة مهلكة بشكل عام..وبحورها يا ابني خشنة مش ريش نعام..غوص فيها تلقى الغرقانين كلهـم..شايلين غنايم ..
والخفيف اللي عام». حكاية الغرق ذاتها- في من جعلتهم مطامعهم يركسون الى أسفل سافلين- سبقت في قصة أطرف عن جشع الطامعين، الذين سيغرقون لسبب مقارب، وإن كانوا غير سارقين؛ قيل ان سلمان الفارسي (ع) أصبح ذات يوم والياً على المدائن، وكانت مدينة غنية ومزدهرة وفيها من العطاء الوفير، فأصابها فيضان وسيل عارم مفاجئ، أخرج أهلها من منازلهم فزعين ومتردّدين بانقاذ ما يمكن إنقاذه.
إلا واليها الفقير الخارج ب(حصيرة مطوية) لا يملك سواها. سبقهم الى الأعالي هو ينادي: «اخرجوا خفافاً». نداء يليق بالخارجين من الحياة أو السلطة أيضاً.

