علي حسن الفواز
وسط أجواء سياسية معتمة يتحول البحث عن أفق للضوء الى نوع من المغامرة، والى ممارسة تتطلب إرادة وجدّة ورؤية واضحة، وقدرة على المواجهة، لأن السياسة غير الناجزة لها تأثيرات خطيرة على مسارات الحياة العامة، وعلى سيروات بناء الدولة وحماية المجتمع، فأفق الأزمة يصطنع له وللآخرين الكثير من المشاكل والصراعات، وهو ما يعني التعاطي مع وقائع غير مستقرة، وغير واضحة، ولها تعالقات صعبة مع أزمات اقتصادية وأمنية وثقافية.الأزمة الاقتصادية التي يواجهها العراق اليوم هي أزمة سياسية في جوهرها، فبقطع النظر عن تداعيات أسعار النفط بوصفه المصدر الأساسي للاقتصاد، فإن سوء ادارة الملف السياسي أسهم الى حدّ كبير في تعويق البحث عن مصادر أخرى للثروة الوطنية، كما أن الرثاثة السياسية أسهمت أيضا الى شيوع وتضخم ظواهر الفساد المالي والإداري، وحتى الفساد السياسي ذاته، وهذا بطبيعة الحال سيكون سببا ضاغطا في تعويق أية عملية جادة للتنمية، ولترميم المشهد السياسي والاقتصادي والامني الوطني.
أزمة المشهد السياسي تكشف من جانب آخر عن أزمة إدارة السياسة ومؤسساتها، فالطبيعة التحاصصية لإدارة السياسية تضع العديد من العُقد أمام حوار سياسي حقيقي، كما أن التعقيدات الدستورية لها تأثير واضح على الصلاحيات التي يمكن من خلالها التغيير، فضلا عن التعقيدات السياسية، فإن غموض مصطلح التوافق السياسي بين الفرقاء يلعب دورا معقدا في إنجاز أي اتفاق، أو حتى في تشجيع وتحفيز القوى السياسية المدنية على أن يكون لها حضور واقعي في الحراك الدولتي والمجتمعي.
حكومة التكنوقراط وأزمة التوصيف
الحديث عن ما يسمى بـ (حكومة التكنوقراط) يواجه أزمة حقيقية على مستوى التوصيف، وعلى مستوى التوظيف، إذ كثيرا ما يُفهَم من هذا (المصطلح) أنه يتعالق بالمهنة، وأن الاختصاص المهني هو جواز المرور (الوحيد) لتسنم المناصب والمسؤوليات الحكومية، وهذا يتقاطع مع استحقاقات الإدارة الحكومية التي تتطلب الخبرة والممارسة والتاريخ الوظيفي في الادارة السياسية، لأن منصب الوزير هو منصب سياسي، وبقطع النظر عن ما يسمى بـ (مؤسسة الخبراء) في هذه الوزارة أو تلك، إلّا أن مسؤولية الوزير تعني اتخاذ القرار، وممارسة المسؤولية على وفق ما تقتضيه المعرفة وتعالقها بالحاجة والمهنية وبالتصور العلمي، وبتحديد الخيارات الستراتيجية التي تلعب دورا كبير في تحديد هوية التنمية، وطبيعة المشاريع والسياسات الوطنية.
إن البحث عن حكومة (إنقاذ وطني) بتوصيف التكنوقراط أو غيره تتطلب وجود خارطة عمل سياسية، على مستوى إدارة ملفات معقدة، لا سيما الملف الاقتصادي، والملف الأمني، فهذان الملفان باتا محكومَين بتعقيدات وتخندقات جماعاتية، وبهشاشة رقابية، تضعف فيها القدرة على تتبع ظاهرة الأزمة، ومنها ما يتعلق بالتخطيط وتنفيذ المشاريع الستراتيجية، وضبط آليات الإنفاق المالي، وفرض سياقات عمل صحيحة للمراجعة والمراقبة والتقويم، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحق المخالفين، فضلا عن تتبع الأموال المهربة من العراق، وعبر طرائق مصرفية رخوة، وفساد في الذمم المالية، والعمل على قوننة عمليات استردادها، بالتنسيق مع الجهات المعنية والدول التي تم تهريب الأموال اليها.
بناء الدولة وبناء الموسسات
الحديث عن بناء الدولة القوية يعني الحديث عن بناء المؤسسات، وعلى وفق أسس مهنية وقانونية وعملياتية، وبما يجعل تأمين حكومة التكنوقراط أمراً لازماً في سياق بناء الدولة واختيار الكفاءات العلمية والمهنية والسياسية لإدارتها، وبما يجعل هذه الحاجة عملية ضغط حقيقية على الفرقاء السياسيين لتجاوز رهان المحاصصة، والوقوف بمسؤولية أمام رهان الوطنية بوصفه القوة الحقيقية التي يمكن من خلالها مواجهة تحديات بناء الدولة.
هذا الرهان الأخير لا يعني تجاوزا لوجود المكونات الأثنية والاحزاب السياسية في المشهد العراقي، بل هو الأكثر حرصا على حمايتها، والتقليل من آثار الفساد والعشوائية، وإعطاء البنية السياسية للدولة تحفيزا لوجودها، ولهويتها السياسية والمهنية، وإقصاءً للتوصيف الطائفي الذي ظل مصدرا مرعبا في إنتاج الأزمات..وإذ نجد اليوم من يطالب بضرورة الإسراع بالتغيير، فإن الحاجة تقتضي أيضا (توافقا) وقبولا حقيقيا وواقعيا على هذا التغيير، وإعطاء رئيس مجلس الوزراء صلاحية اختيار وزرائه من الكفاءات، ووضع كابينته الحكومية أمام رقابة مجلس النواب وضمن إطار زمني، مع تأمين الحرية في تقصي ملفات الأزمة، واتخاذ ما يلزم بصدد المخالفات فيها، وبعيدا عن تدخل الكتل السياسية بالبرنامج الحكومي.
إن بناء دولة حديثة يفترض وجود بيئة سياسية صالحة لهذه الدولة، مع قوة مهنية تعمق بناءها المؤسسي، وتعزز مسارها على مستوى إنضاج عمليات التحول الديمقراطي وحمايتها، وعلى مستوى تغذية بُنى الدولة بعوامل وأسباب التواصل والتطور، فضلا عن بناء سياقات سياسية داخلية وخارجية تحمي سيادة الدولة، وتحمي حقوق مواطنيها، وتؤطرها فواعلها على وفق المصالح الوطنية أولا، وبعيدا عن المزايدات والتخندقات التي يفترضها البعض في التعاطي مع ملفات سياسية اقليمية أو دولية.

