Feature

نجاح العلي 
هناك مجتمعات ودول تمتاز بتجارب ديمقراطية راسخة الاعراف والتقاليد والسلوك، ومن هذه الدول كندا، هذا البلد الهادئ الذي تمتاز سياسته بالانفتاح على العالم والتعايش السلمي بين مكوناته واقلياته حتى ان شعبه له حق الاختيار في التحدث والتعلم باستخدام اللغة الانكليزية او الفرنسية واصبح العديد من المهاجرين فيه الآن وزراء ومسؤولين يتولون مناصب رفيعة في الحكومة الكندية بعد ان اثبتوا قدرة ومهارة وكفاءة لشغل هذه المناصب بعيدا عن الانتماءات القومية والدينية والمذهبية والعرقية التي ابتلي بها بلدنا عبر نظام المحاصصة سيئ الصيت الذي اثبت فشله بشهادة الجميع.
قبل سنوات دخل في التنافس الانتخابي الكندي كيانان اساسيان احدهما من الشخصيات التكنوقراط والآخر من التيارات السياسية الاخرى، وجاء حكم صناديق الاقتراع بأن يفوز التيار الاخير الذي له الحق حسب الدستور الكندي ان يشكل الحكومة وفعلا بعد مشاورات ونقاشات منطقية وعقلانية وبراغماتية قرر الفائزون في الانتخابات تكليف التكتل التكنوقراطي بتشكيل الحكومة، وهذا القرار حكيم جدا ويمثل قمة الايثار وتقديم الافضل والاحسن في خدمة المجتمع والحفاظ على المنجزات المتحققة وديمومتها وتطويرها، كما ان هذا القرار يضع التكنوقراط امام الرقابة الصارمة من الاكثرية الفائزة التي بإمكانها اسقاط الحكومة دستوريا عبر التصويت ضدها وتشكيل حكومة جديدة في حال فشلها بتحقيق الاهداف والخطط وتنفيذ البرنامج الحكومي حسب الجدول الزمني الذي وضع له.
والشخصيات التكنوقراط التي نقصدها هنا هي امتزاج الخبرة بالتحصيل العلمي مع الكفاءة والنزاهة، فهناك بعض المحللين والكتاب يخلطون بين التكنوقراط وبين التحصيل العلمي، فليس كل تحصيل علمي يندرج ضمن التكنوقراط وحتى في الجامعات لا يعتمد اللقب العلمي في التكليف بإدارة عمادة الكليات او رئاسة الجامعات بل لا بد ان تصاحب التحصيل العلمي خبرة ميدانية في مجال العمل، وهي مهمة وضرورية في تبوؤ اي منصب مهما كان بسيطا، فعلى سبيل المثال حسب قانون الخدمة المدنية الاتحادي وتعديلاته يشترط لمن يشغل منصب مدير دائرة ان تكون لديه خبرة لا تقل عن 15 سنة، والتحصيل الدراسي يأتي مكملا للخبرة المتراكمة وليس اساسا لها، وما يثير الدهشة والاستغراب هو أنه لا يطالب الوزير او رئيس الهيئة في الكابينات الوزارية السابقة والحالية ان تكون لديه ممارسة طويلة في العمل الوظيفي، بل ان بعضهم لم يمتهن العمل الحكومي اطلاقا، وهذه الخبرة مهمة وضرورية لكي يستطيع الوزير تسيير وزارته واصلاح بعض الانظمة والتعليمات البالية التي اكل الدهر عليها وشرب واصبحت تعرقل سير العمل وبالتالي ونتيجة لعدم خبرة ودراية الوزير او المسؤول في الامور الادارية يسيّر الآخرون الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية حسب امزجتهم ومصالحهم وهذا هو السبب الرئيس في ضعف الاداء الحكومي في العديد من المفاصل المهمة والحيوية في جسد الحكومة العراقية.
السيد رئيس الوزراء بعد مطالبته بدعم البرلمان والكتل السياسية بتشكيل حكومة تكنوقراط، عليه ان يضع في الحسبان امتزاج الخبرة بالتحصيل الدراسي في التشكيلة الحكومية المقبلة، فاحدهما مكمل للآخر، ولا شك ان نجاح التشكيلة الجديدة، هو نجاح للكتل السياسية التي ساندتها ودعمتها وأخضعتها للمراقبة وتقييم وتقويم الاداء الحكومي.

التعليقات معطلة