Feature

فيليب ستيفنز
أعلنت «فاينانشيال تايمز» أخيرا أن «أبل» تريد تعطيل إمكانية وصولها إلى خدمة السحابة، ما يجعل من المستحيل على الشركة الامتثال للمذكرات القانونية بالنسبة لبيانات الزبائن. يُمكننا إعادة صياغة هذا الهدف: الشركة الأكثر قيمة في أمريكا تتطلّع لإجراء تعديلات فنية من شأنها أن تسمح لها بتحدّي السياسيين المُنتخبين، وهيئات تنفيذ القانون، والقُضاة المسؤولين عن أمن الدولة. إذا كانت شركة أبل لا تُحب قانونا ما، ستبتكر بعض البرامج للالتفاف عليه. من المحتمل ألا يضع تيم كوك هذا الأمر بهذه الطريقة تماماً، لكن الرئيس التنفيذي لشركة أبل قد رفع مستوى معركته مع مكتب التحقيقات الفيدرالي حول الوصول إلى جهاز آيفون يعود إلى أحد مُطلقي النار في الاعتداء الإرهابي في سان بيرناردينو، إلى صراع بين الحرية والاستبداد.
بين الخصوصية والتسلل. يقول كوك إن الموافقة على طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن تُعد شركة أبل برنامجا يسمح بالوصول إلى البيانات الموجودة في الهاتف ستكون بمثابة إيجاد «ما يُعادل مرض السرطان للبرمجيات». وسيتم تعريض مئات الملايين من الزبائن للخطر. وأخبر شبكة آيه بي سي للأخبار «أن هذا لا يتعلّق بجهاز واحد، هذا يتعلّق بالمستقبل». أي انتصار لمكتب التحقيقات الفيدرالي من شأنه تهديد «الحريات المدنية للجميع». هذه لغة مُبالغ فيها من الرئيس التنفيذي لشركة، رغم كل شيء، تعمل في مجال صناعة الأجهزة الرقمية الفاخرة. أبل شركة مُبتكرة، ومنتجاتها تبدو رائعة، لكن الحضارة ستنجو في غياب أجهزة الآيباد وأجهزة الآيفون.
يقول مكتب التحقيقات الفيدرالي إن قضية سان بيرناردينو فريدة من نوعها. وإن الأمر لا يتعلق بالطلب من «أبل» تسليم أي برنامج تشفير، فضلا عن أن الشركة تستطيع تدمير البرنامج بمجرد الوصول إلى الجهاز. ويُشير مكتب التحقيقات إلى أن دوافع كوك لا تخلو تماما من الأنانية. ففي أعقاب تسريبات إدوارد سنودن، رأت «أبل» في الخصوصية والتشفير أداتي تسويق قويتين. وبقدر ما قد يبدو الأمر غير عصري قبل سنودن، أميل للاتفاق مع مكتب التحقيقات إلى أن التوترات الطبيعية بين الخصوصية والأمن القومي «لا ينبغي أن تُحل من قِبل الشركات التي تبيع الأشياء».
«أبل» تميز نفسها عن حزم التكنولوجيا – يتّهم كوك البقية بتجميع وبيع البيانات الشخصية – لكن فيما يتعلّق بهذه المسألة، حصلت الشركة على دعم معظم وادي السليكون. فقد انضمت «فيسبوك» و»تويتر» و»مايكروسوفت» إلى «أبل» و»جوجل» في الوقوف ضد خطط لإصدار قانون بريطاني ينظم وصول الدولة إلى البيانات.
كما هو الحال بالنسبة لقضية سان بيرناردينو، تقول الشركات إن الحكومة البريطانية تبحث عن «الوسائل السرية» للدخول إلى التكنولوجيا الخاصة بها، التي من شأنها تقويض الأمن بالنسبة للزبائن. وتُجادل بأن القانون البريطاني من شأنه تشكيل سابقة بالنسبة للدول الاستبدادية. لست متأكداً أن الرئيس فلاديمير بوتين قد ينتظر على الإطلاق أن تأخذ بريطانيا زمام المبادرة قبل تجاهل الحريات الشخصية وخصوصية البيانات باسم الدولة الروسية.
بالطبع، من المناسب والشرعي تماما أن يتحدّى كوك مكتب التحقيقات الفيدرالي في المحاكم الأمريكية ولا يوجد ما يُمكن قوله حول أن شركات التكنولوجيا لا ينبغي أن تضغط، مثل أي شركة، ضد القوانين التي لا تحبها. وهو مُحق، أيضاً، في ضرورة إجراء نقاش حيوي بشأن التوازن الصحيح بين الخصوصية الشخصية والأمن الجماعي.
في أعقاب الهجمات الإرهابية في 11/9 ربما تأرجح البندول بعيداً جداً في اتجاه وكالات تنفيذ القانون والاستخبارات. على الأقل لم يكُن هناك شفافية كافية حول إلى أي مدى كانت الحكومات قد تكيّفت مع العصر الرقمي من خلال الوصول – في ذلك الحين، بشكل عرضي، مع تعاون «أبل» وغيرها من الشركات – إلى الاتصالات والبيانات الشخصية. لذلك الرقابة الأكثر صرامة كانت ضرورية.
كشوفات سنودن تُخاطر بتحويل التوازن بعيداً في الاتجاه المُعاكس. ربما يقول المدافعون عن الحريات المدنية أمراً مختلفاً، لكن تخزين البيانات الوصفية لا يرقى إلى المراقبة الجماعية الرقمية. ما يهُم هو الظروف التي يُمكن بموجبها البحث في مثل هذه البيانات – الضمانات، والسلطة القانونية، ومسؤوليات الإبلاغ التي تعمل ضد إساءة استخدام المعلومات الشخصية في الوقت الذي تسمح فيه للدولة بحماية مواطنيها.
تخميني هو أنه ليس هناك أي توازن مثالي، وحتى إن وجد، ربما سيتغلّب عليه في وقت قريب بما فيه الكافية التكنولوجيا الأحدث. وكالات الاستخبارات دائماً ما ترغب في الكثير من الوصول، في حين أن المدافعين عن الحريات المدنية وشركات التكنولوجيا، في هذه الأيام، سيقفون على الطرف الآخر. أفضل ما يُمكن أن يفعله السياسيون هو تحديث إطار العمل والتأكد من أن المحاكم تملك رقابة فعّالة.
يبدو أن كوك يعتقد أن «أبل» تستطيع تجاوز مثل هذه العملية الديمقراطية. إذا خسرت الحجة، ستجد وسيلة للالتفاف على القانون. و»أبل» ليست وحدها. الاستماع إلى «جوجل» و»فيسبوك» والبقية هو الاستماع إلى شركات وصلت إلى مرحلة الإيمان بالدعاية الخاصة بها: باعتبارها وصية على المستقبل الرقمي، تُعتبر دعايتها بمثابة دعوة أعلى ينبغي أن تمنحها الحصانة من تدخل المحاكم أو الأحكام الصادرة عن السياسيين المنتخبين.
الشعور المُبالغ فيه بالذات لا يقتصر على عالم الخصوصية. بل يُفسر السخط الذي تستقبل به الشركات المطالب بأن تدفع نسبة عادلة من الضريبة على الشركات. بالنسبة لكوك، الحكومة الأمريكية هي المخطئة في كون «أبل» تخبئ عشرات المليارات من الدولارات في ملاذات ضريبية في مناطق الأفشور. ويبدو أن «جوجل» مصابة بصدمة حقيقية حين يشعر السياسيون البريطانيون بالاستياء من الطريقة التي تنقل بها إلى إيرلندا، ذات الضرائب المنخفضة، مليارات الدولارات من الأرباح المتحصلة من مبيعاتها في المملكة المتحدة.
رغم الدعوة التبشيرية التي ينادي بها كوك، شركات التكنولوجيا تهدف إلى كسب المال. ولديها وجهة نظر وجيهة، تماما مثل أي شخص آخر. لكن وادي السليكون لا يحتل مكانة أرفع، وأرباح «أبل» ينبغي ألا تتغلب على الخيارات بشأن الأمن.

التعليقات معطلة