جابرييل ويلداو
 
في عصر يوم ماطر في واحد من أكبر أحواض السفن في الصين، يأخذ العاملون قسطا من الراحة من لحام القطع تحت أجسام السفن التي لم يكتمل بناؤها، للاحتماء من المطر.
على الرغم من انخفاض أسعار الشحن التي دمرت صناعة النقل البحري، إلا أن الحوض في شركة شنغهاي وايجاوتشياو لبناء السفن لا يخلو من العمل. ويمكن لأي عامل هنا ركوب دراجته الهوائية عبر الساحة الممتدة في مساحة تبلغ 1.1 كيلو متر مربع.
هذه وأحواض السفن الأخرى المملوكة للدولة تبقى تعمل بسبب مجموعة أوشن شيبنج الصينية، المعروفة باسم كوسكو، أكبر شركة شحن في البلاد من حيث القدرة على التحميل، التي طلبت 11 من سفن الحاويات الكبيرة في العام الماضي. وذكرت مجلة «كايشين» المالية أن ثلاثا من السفن التي تم طلبها من شركة وايجاوتشياو ستكون قادرة على حمل 20 ألف حاوية سعة 20 قدما، ما يجعلها الأكبر في العالم.
ربما يتساءل المساهمون غير الحكوميين في شركة كوسكو عن السبب في أن الشركة التي تملك الدولة أغلبية أسهمها يمكن أن تحتاج إلى 11 سفينة جديدة. وكان مديروها قد اعترفوا في بيان الأرباح نصف السنوية في الشركة بأن «الطلب الكلي في سوق الشحن كان ضعيفا» في عام 2015، بينما «استمر العرض المفرط في طاقة الشحن».
توقيت طلب السفن، المقرر أن يتم تسليمها في عام 2018، أثار دهشة كبيرة نظرا للتراجع في مستوى التجارة العالمية الذي انخفض، وفقا لصندوق النقد الدولي، بنسبة بلغت 12 في المائة العام الماضي من حيث القيمة. وتذهب معظم التوقعات إلى أن الوضع من غير المرجح أن يتحسن قريبا.
الخبر السار بالنسبة لشركة كوسكو هو أنها لن تضطر إلى إنفاق كثير من أموالها الخاصة لتغطية تكلفة السفن البالغة 15 مليار دولار. وتقدم لوائح أصدرتها وزارة المالية في عام 2013 دعما لأصحاب السفن، بحيث يتم هدم السفن القديمة وتستبدل بها سفن جديدة من شركات بناء السفن المملوكة للدولة، مثل وايجاوتشياو.
وتعد شركة كوسكو مثالا حيا على المشاكل التي تواجه الشركات المملوكة للدولة، المفتقرة إلى الكفاءة والمثقلة بالديون. باستثناء إنتاج مواد لمرة واحدة، خسرت الشركة 3.8 مليار رنمينبي (580 مليون دولار) في الأشهر التسعة الأولى من عام 2015. ونسبة الديون إلى حقوق الملكية فيها بلغت 206 في المائة في نهاية أيلول (سبتمبر)، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المتوسط البالغ 66 في المائة بالنسبة للشركات المدرجة في بورصة شنغهاي، وذلك وفقا لشركة البيانات المالية الصينية، ويند إنفورميشن.
ومع نمو الاقتصاد الصيني بأدنى معدلاته منذ 25 عاما، يرى مختصون اقتصاديون أن التعامل مع الشركات المملوكة للدولة غير العملية هو الخطوة الوحيدة الأكثر أهمية لإعادة هيكلة الاقتصاد.
يقول جيانجوانج شين، كبير مختصي اقتصاد آسيا في شركة ميزوهو للأوراق المالية الآسيوية: «إصلاح الشركات المملوكة للدولة، والديون، والقدرة الإنتاجية الكبيرة، والشركات غير الفعالة جميعها قضايا متصلة بعمق». ويضيف: «بالنسبة للشركات في القطاع الخاص في صناعات الطاقة الإنتاجية الكبيرة، ليست هناك طريقة للمتابعة بعد عدة أعوام من الخسائر. هنا المالك يغلقها أو يبيعها، لكن في الشركات المملوكة للدولة، سيتمكنون من مواصلة الحصول على القروض المصرفية أو الدعم الحكومي».
الشركات الحكومية
كانت بكين تسعى إلى توجيه اقتصادها بعيدا عن الاعتماد المفرط على الصناعات الثقيلة والبناء. مع ذلك، تتجمع الشركات المملوكة للدولة في صناعات ملوثة مثل صناعة الصلب والفحم وبناء السفن والمعدات الثقيلة، وجميعها مرتبطة بأنموذج النمو القديم. هذه الشركات العملاقة الخرقاء غير ملائمة لتلبية الطلب في قطاعات الخدمات الناشئة، مثل الرعاية الصحية، والتكنولوجيا، والتعليم، والترفيه – المجالات الأسرع نموا في الاقتصاد الصيني.
والدعم الذي تحصل عليه شركة كوسكو واحد من مئات عمليات الدعم التي تستفيد منها المجموعات المملوكة للدولة. ووفقا لبيانات جمعتها شركة ويند من ملفات الشركات، حجم الدعم للشركات المدرجة بلغ 30 مليار رينمينبي في عام 2014. لكن الرقم الفعلي أعلى بكثير، لأن الكثير من الدعم تدفق إلى الشركات غير المدرجة، بينما تتمتع الشركات المملوكة للدولة أيضا بمزايا غير نقدية مثل القروض المصرفية بأسعار فائدة منخفضة والخصومات على الأراضي والمياه والكهرباء.
وتعهد زعماء البلاد بإجراء إصلاح شامل للقطاع الحكومي. وقال لي كه تشيانج، رئيس الوزراء، أمام عدد من كبار المستشارين الاقتصاديين في كانون الأول (ديسمبر): «علينا أن نستجمع كل عزمنا والبدء بالعمل. بالنسبة لتلك ’الشركات غير الفعالة‘ مع طاقة إنتاج مفرطة للغاية، لا بد من إغلاقها بقسوة».
بعد ذلك التهديد، قال ين واي مين، وزير العمل، إنه يتوقع أن يخسر 1.3 مليون عامل في مجال الفحم ونصف مليون ألف عامل في مجال الصلب وظائفهم في إطار الجهود المبذولة للتعامل مع الطاقة الإنتاجية المفرطة، دون تحديد متى سيتم ذلك. وفي أيلول (سبتمبر) الماضي وضع مخطط وافق عليه الحزب الشيوعي، مبادرات تهدف إلى فرض انضباط السوق في الشركات الحكومية. ويشمل ذلك عدم إضفاء السمة السياسية على تعيين كبار المسؤولين التنفيذيين، الذين يتم اختيارهم من قبل وكالة التوظيف التابعة للحزب وليس من المساهمين العاديين. لكن النهج الذي تم اتباعه بقوة كان التوحيد – وفيه تتولى الحكومة تنسيق عمليات الدمج للشركات الكبيرة المملوكة للدولة.
وفي العام الماضي وافقت «لجنة الإشراف والإدارة على الأصول المملوكة للدولة»، التي تشرف على الشركات غير المالية المملوكة للدولة، على عمليات دمج لما لا يقل عن ست شركات كبيرة جدا. ومن بين عمليات الدمج تلك، واحدة من شأنها الجمع بين شركة كوسكو ومجموعة الشحن الصينية لإيجاد أكبر شركة حاويات في العالم.
ويعتقد زعماء الحزب الشيوعي أن الشركات الأكبر المملوكة للدولة ستكون أكثر قدرة على المنافسة عالميا. ولطالما اعتبروا اقتصاديات الحجم أمرا حاسما لتشجيع الأبطال القوميين. والحجم يعتبر أكثر أهمية الآن، مع انخفاض أسعار السلع الأساسية الذي يؤدي إلى تخفيض هوامش الربح في مجال الصلب والفحم والمعادن الأساسية والمعدات الثقيلة.
يقول يوكون هوانج، مدير منطقة الصين السابق في البنك الدولي وهو زميل أول في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي: «[الرئيس] تشي جينبينج ربما يعتقد أن قطاع الشركات الحكومية الكبير أمر جيد. إنه ينظر نحو الغرب ويرى أن الشركات الرئيسية كبيرة وتصبح أكبر. وعندما ينظر زعماء الصين إلى الخارج نحو ما يسمى اقتصاديات ’السوق‘، لا يشعرون بأن الشركات الكبيرة وعمليات الدمج الكبيرة أمر سيئ».
وكان التوحيد يجري منذ أكثر من عقد من الزمن. ومنذ تأسيسها في عام 2013، انخفض عدد الشركات التي تحت سيطرة لجنة الإشراف على الأصول والإدارة، المملوكة للدولة، من 189 إلى 103، إلى حد كبير بسبب عمليات الدمج.
الإصلاح العكسي
بدأت الإصلاحات واسعة النطاق في أواخر التسعينيات بعد موجة من القروض المتعثرة للشركات المملوكة للدولة، التي دفعت النظام المصرفي في البلاد إلى حافة الانهيار. وأدت جولة من الإصلاحات إلى تخفيض عدد الموظفين في الشركات المملوكة للدولة إلى النصف تقريبا، من 70 مليونا في عام 1997 إلى 37 مليونا في عام 2005.
ومع إغلاق أو تخصيص الشركات الأسوأ أداء، المملوكة للدولة، تحسنت الربحية. ودائما ما كان العائد على الأصول في الشركات المملوكة للدولة يتخلف عما هو عليه في الشركات الخاصة، لكن الفجوة تقلصت بشكل ملحوظ في أوائل العقد الأول من الألفية.
لكن هذا تغير مع الأزمة المالية العالمية لعام 2008، لأن التحفيز الضخم الذي طرحته الصين للتعويض عن التباطؤ كان يعتمد على الشركات المملوكة للدولة ـ التي تعمل للمصلحة الوطنية. لذلك طلب من المصارف زيادة الإقراض للشركات المملوكة للدولة، التي تتباهى بإخلاص بالمصانع والمعدات الجديدة بغض النظر عن الحاجة التجارية. بعد ذلك توقف تقليص القطاع الحكومي.
التحفيز غذى طفرة بناء للمصانع والإسكان والبنية التحتية. والطلب على الإنتاج من المصانع الحكومية ارتفع بشكل مؤقت ونمت أرباح الشركات المملوكة للدولة.
لكن القطاع توسع بشكل مفرط وكان التراجع صعبا. بعدها شددت المصارف والأجهزة التنظيمية على الإقراض وسط مخاوف بشأن الارتفاع في اقتراض الشركات وزيادة ديون الحكومات المحلية. ونتج عن ذلك هدوء سوق الإسكان وتباطؤ والإنفاق على البنية التحتية، وتوقفت الشركات عن الاستثمار بسبب ارتفاع أعباء الديون والطلب الضعيف على الإنتاج من المصانع التي بنيت حديثا.
في شركة الألمنيوم الصينية المملوكة للدولة، حيث ارتفع إجمالي الأصول من 82 مليار رنمينبي في عام 2006 إلى 175 مليارا بعد ستة أعوام، بلغ صافي الخسائر 17 مليار رنمينبي في عام 2014، الأكبر في أي شركة مدرجة مملوكة للدولة. لكنها ليست وحدها. فبحسب البيانات الرسمية، نحو 42 في المائة من جميع الشركات المملوكة للدولة سجلت خسائر في عام 2013. وللمرة الأولى منذ عام 2001 تراجع في العام الماضي إجمالي الأرباح لمثل هذه المجموعات من حيث القيمة المطلقة. والفجوة في العوائد على الأصول بين الشركات المملوكة للدولة والشركات في القطاع الخاص أصبحت الآن الأكبر منذ عقدين من الزمن.
لقد جعل صناع السياسة «إصلاح جانب العرض» هو الموضوع الرئيسي للسياسة الاقتصادية لعام 2016، لكن كثيرا من المحللين يشكون في أن دمج الشركات الكبيرة في شركات أكبر يمكن أن يعالج قضية القدرة الإنتاجية المفرطة والربحية الضعيفة. وعاجلا أم آجلا، من المرجح أن تضطر الشركات لإغلاق المصانع وتسريح العاملين.
ويندي ليوتيرت، الباحثة الزائرة في مركز الصين التابع لمعهد بروكينجز، كتبت: «خلق شركات مملوكة للدولة أكبر من المرجح أن يؤدي إلى مفاقمة متاعبها المالية والتنظيمية القاسية بالفعل». وأضافت: «دمج الشركة المملوكة مركزيا سيعمل على زيادة حصتها السوقية على حساب خطر القدرة التنافسية ومكاسب الكفاءة على المدى الطويل».
وبالنسبة لكثير من مختصي الاقتصاد في الغرب، الحل واضح: رفع الكفاءة عن طريق التخصيص، لكن كبار الزعماء في الصين قاوموا هذا النهج.
جربت لجنة الإشراف على الأصول والإدارة المملوكة للدولة بحذر «الملكية المشتركة»، وهي كناية عن بيع حصص أقلية. مع ذلك، باستثناء تقليص دورها في الاقتصاد، تعتقد القيادة أن الحل يكمن في تعزيز قبضة الحزب الحاكم على الأصول الحكومية، وفي الوقت نفسه جعل الشركات المملوكة للدولة أكثر قدرة على المنافسة.
في اجتماع للمكتب السياسي في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، قرر زعماء الحزب أن تركيز جهود الإصلاح ينبغي أن ينصب على «تعزيز وتحسين وتوسيع» الشركات الحكومية، وفي الوقت نفسه رفض «التخصيص»، وذلك وفقا لتقرير مفصل عن الاجتماع تم تداوله على وسائل الإعلام الاجتماعية.
وينظر إلى عمليات الدمج الكبيرة أيضا باعتبارها وسيلة للقضاء على «المنافسة الضارة» بين المجموعات الحكومية المتنافسة. ووفقا لهذا المفهوم، وافقت أكبر شركتين لتصنيع معدات السكك الحديدية في البلاد على الاندماح في نهاية عام 2014. ومن المتوقع أن تقدم المجموعة الجديدة عطاءات للحصول على مشاريع السكك الحديدية التي تعتبر مركزية بالنسبة لمبادرة «طريق الحرير الجديد» الطموحة الخاصة بالرئيس تشي، التي تهدف إلى مساعدة الشركات الصينية على بيع البنية التحتية في آسيا والشرق الأوسط.
الوظائف في خطر
العقبة الأكبر أمام إغلاق الشركات المملوكة للدولة الخاسرة هي احتمال حدوث تسريح جماعي للعاملين، الأمر الذي تخشى بكين أنه يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية. ودمج الشركات الضعيفة المملوكة للدولة لتصبح شركات أقوى يعتبر طريقة تخريبية للتعامل مع الطاقة الإنتاجية المفرطة أقل خطرا من إجبار الشركات المملوكة للدولة الخاسرة على إعلان الإفلاس، الأمر الذي يترك الملايين عاطلين عن العمل.
يقول جو جين وين، مختص الاقتصاد الذي يجري أبحاثا على الشركات المملوكة للدولة في الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، وهي شركة استشارية تقدم المشورة للحكومة: «إذا كانت الشركة الأقوى تستطيع إعادة هيكلة الشركة الأضعف، فإنها تستطيع إيجاد طرق لنقل العاملين. فهي لن تطرد الجميع على الفور. التعامل مع الطاقة الإنتاجية الكبيرة يوجد ضغطا فيما يتعلق بالبطالة. ويجب أخذ هذا في الحسبان».
مجموعة لونج ماي، أكبر شركة مملوكة للدولة في منطقة هيلونج جيانج الصناعية الواقعة شمال شرقي البلاد، احتلت إلى العناوين الرئيسية عندما أعلنت عن خطط في أيلول (سبتمبر) لتسريح 100 ألف عامل. مع ذلك، بيان الشركة يظهر أن كثيرا من العاملين سيتم تحويلهم إلى شركات مترابطة، وهذا دليل على الضغط السياسي على الشركات المملوكة للدولة من أجل الحفاظ على الوظائف.
في حوض السفن في شركة وايجاوتشياو، هناك لحام يدعى لي، وهو سعيد بالعمل في شركة حيث تسريح الموظفين أمر نادر، حتى في الأوقات الصعبة.
يقول: «بعد الأزمة المالية، كثير من الرجال غادروا للعمل في أحواض أصغر (مملوكة للقطاع الخاص) حيث الأجر أفضل. الآن يتم إغلاق تلك الأحواض.
 في هذه الأيام يأسفون على ما فعلوه لكن ليس من السهل العودة».

التعليقات معطلة