ربيع بركات
شبه فيلم The Revenant أو «الانبعاث»٬ الذي حاز إثره الممثل ليوناردو دي كابريو جائزة أوسكار قبل أيام٬ الحالة التي تعيشها منطقتنا. يخوض الممثل في الفيلم صراعا من أجل البقاء٬ يفقد إثره ملامح وسامته٬ ويكاد يخسر حياته في جولات عديدة٬ مرة بهجوم شنه أهل المنطقة الأصليون٬ أي الهنود الحمر٬ ضد فرقته٬ وأخرى إثر قتاله دباً مفترساً٬ وثالثة في مواجهة عاصفة ثلجية عاتية.. الخ. المهم أن الفارق بين حالة دي كابريو ومنطقتنا أن تمثيله أفضى إلى نيله جائزة سعى للحصول عليها لسنوات٬ فيما بركان الشرق الأوسط الذي نعيش في فوهته ما زال يقذف حممه يومياً٬ ولا يوحي أن جائزة تلوح في الأفق لكثير من مكوناته٬ بعد أن يكتمل «انبعاثه». غير أن سعي الدول المتماسكة في المنطقة للحصول على جائزة تلي هذا «الانبعاث»٬ يشرح الكثير من أدائها. وهذا الأداء٬ باختصار٬ يبدو اليوم كالتالي:
تركيا٬ بقيادة أردوغان الذي ما زال يطمح لأن يكون بمنزِلة مؤسس جمهوريتها أتاتورك أو أن يتخطى رمزيته حتى٬ تضع استراتيجيتها بين حدين. يقضي أولهما (أي السيناريو الأكثر تشاؤماً) بمحاولة تقليص الخسائر ومنع قيام فدرالية سورية يحوز بنتيجتها «حزب العمال الكردستاني» نفوذاً في شمال البلاد. فيما الحد الآخر (أي السيناريو الأكثر تفاؤلاً) يتمثل بنيلها اعترافاً دولياً بدور فاعل لها في الشمال السوري٬ وربما في الوسط العراقي بعد استئصال شأفة «داعش» وترويض بيئته الحاضنة هناك. حظوظ تركيا تميل بوضوح نحو السيناريو الأكثر تشاؤماً. السعودية من ناحية أخرى تعيش مرحلة انتقالية بكل المقاييس٬ من دون أن تظهر مآلات هذا الانتقال بوضوح: في اليمن تُستنزف ميزانيتها من دون تحقيق نتائج٬ لكنها تخوض حرباً مفتوحة ومن غير سقف زمني. وفي سوريا تحاول حجز مكان لها عبر استعجال قتال «داعش» انطلاقاً من الأراضي التركية٬ فيما الضوء الأخضر الأميركي الذي يسمح لها بذلك ما زال بعيداً. وفي العراق لا تبدو قادرة سوى على التخريب٬ ولو أن كياناً في الوسط العراقي تتنازع على النفوذ فيه مع تركيا يدغدغ آمالها (فيما تحلم بتقاسم المغانم معها في الشمال السوري). بينما في لبنان تُقرر فتح آخر ساحات الاشتباك المقفلة مع طهران٬ حتى تعوّض بعض خسائرها في سوريا.
وحدها روسيا٬ الضابط الدولي للصراع الإقليمي في بلاد الشام٬ فازت بالجائزة الكبرى بوضوح في البقعة الجغرافية الدامية هناك. فلاديمير بوتين حاز جائزة «الانبعاث» في بلاد الشام، بعدما خسرت البلاد كثيراً من وسامتها، وخاضت جولات عديدة كادت تُفنيها. لكن المخاض لم ينتهِ بعد، ولو أنه بات أقل دموية. فالصراع على المركز الثاني بدأ للتو.